القدرة على اختراق العقول

لطالما كان الذهول يتملك الكثير من الناس، وهم يشاهدون من يتوجه ويتأثر بالأفكار السوداوية المميتة وينضوون تحت ألوية متطرفة وإرهابية تقوم على سفك دماء الأبرياء، ويكمن مثل هذا الذهول في التساؤل كيف يمكن لإنسان يملك عقل يفكر به، التضحية بأمنه واستقراره؟ وأيضاً يصبح على هذه الدرجة من الوحشية لدرجة قتل أمة وشقيقة بدم بارد.

لكن إذا أمعنا النظر والتفكير وعدنا للتاريخ ولعدة حركات إرهابية سواء إسلامية أو غيرها من الإيديولوجيات والمعتقدات المتطرفة فسنشاهد جموع من المغرر بهم.

مثل هذه الحالة يفسرها علم يسمى الهندسة الاجتماعية، وهو العلم الذي يعرفه البعض من الدارسين بعلم اختراق العقول، ويقصدون أنه يقدم مجموعة من الوسائل والطرق التي تمكنك من جعل مجموعة من الناس أو فرد ما، ينفذ ما تطلبه منه دون تردد، أو أن يفشي لك أسرار هو مؤتمن عليها، وهذا العلم ليس نخبوي أو محدود، بل هو متداول ومعروف على نطاق واسع، وله تقنيات عديدة يمكنك دراستها.

والتنظيمات الإرهابية على مختلف أنواعها تستخدم هذه التقنيات، والمشكلة أن الضحية بعد أن يستسلم لها يكون قد تورط ولا طريق للتراجع وما يخسره هنا ليس المال وإنما حياته برمتها، على سبيل المثال تنظيم مثل داعش، ينشط على شبكة الانترنت، ويقوم أعضائه بالتواصل مع الناس في مختلف دول العالم، وخاصة أوروبا تحديداً، ونجحوا في تجنيد فتيات وفتيان في مقتبل العمر، وهناك العديد من القصص التي تحكي عن شباب وبنات فعلاً وصلن وانضممن لهذا التنظيم، وبعد فترة اكتشفوا زيف الوعود وان ما قيل بأنهم سيعيشون في مدينة أفلاطون الفاضلة ما هي إلا مدينة محترقة هرب منها سكانها ويحكمها زمرة من المجرمين الأشبه بالمجانين لا أكثر، وعندما قرروا العودة لبلادهم تم تهديدهم، بل تم قتل بعضهم.

مؤلف كتاب سيكولوجية الجماهير، غوستاف لوبون، اقترب من هذا المحور، وهو يطرح أهمية استغلال العواطف، حيث قال: "لكي نقنع الجماهير ينبغي أولاً أن نفهم العواطف الجياشة في صدورها وأن نتظاهر بأننا نشاطرها إياها ثم نحاول بعدئذ أن نغيرها عن طريق إثارة بعض الصور المحرضة بواسطة الربط غير المنطقي أو البدائي بين الأشياء". ولكم أن تتخيلوا، فهذا المؤلف يتحدث عن الجماهير، وكيف يمكن السيطرة عليها وتوظيفها من خلال العاطفة، فكيف هو الحال مع الفرد؟

أعتقد أنه حان الوقت لنفهم طبيعة الهندسة الاجتماعية، لأن أولى الخطوات هي معرفة طريقة عمل اختراق العقول ومن ثم مكافحتها بالتوعية وتحصين الناس بالمعرفة، لأن المعرفة سلاح قوي وفعال في كل وقت...