لأنه نظر نحو السماء

قد يدهشنا أن نسمع بأحد العلماء ومدى ما قدمه للبشرية من منجزات، ورغم هذا وافته المنية وهو بعيد عن وطنه الأم، ودون أي تكريم. لكن ليست هذه العبرة، رغم أن مثل هذا الأمر يدعوا للحزن، إنما العبرة في طريقة التفكير والنظر نحو الأمور، فعالم مثل تيخو براهي، الفلكي الدنمركي، الذي توفي 1601م والذي بدأ حياته بدراسة القانون، لكن عندما بدأ يلاحظ بعض الأحداث الطبيعية، مثل وقوع كسوف كلي للشمس، ومعرفته أن هذا الكسوف سبق للعلماء منذ بضع سنوات التنبؤ به، فأثار فضوله واستغرابه، فتوجه نحو الدراسة الفلكية، وأول ما لحظة عندما قام بأول رصد، سجل خلاله اقتران كوكب المشتري وكوب زحل، واكتشف أن أرقام القياسات الفلكية التي تبين منازل الكواكب والنجوم خاطئة وليست دقيقة، وأثر هذا الاكتشاف سخر حياته لجمع الأرصاد الفلكية المتوفرة في ذلك الزمن، والتي كانت شحيحة وخاطئة. الامبراطور فردريك، أولى العالم تيخو براهي العناية والرعاية، لأنه كان يحب العلم ويعتني بالعلماء، لكن بعد وفاة الامبراطور، تم التضايق عليه حتى اضطر لمغادرة بلاده، وتوجه نحو براغ، ليواصل بحثوه ودراساته، لكن الموت لم يمهله طويلاً حيث، توفي وخلف للبشرية إرث علمي غزير، لم يخف رسائله العلمية، ولم يوصي لأحد محدد بها، بل تركها مشاعة، لكل من يريد طلب العلم والاستزادة، وهذا الذي حدث، فقد قام إسحق نيوتن، بدراستها والبناء عليها، وشكلت العماد الذي انطلق منها ليحقق منجزات علمية يذكرها التاريخ، لكن أساسها كان قبل اسحق نيوتن. وكما قال الفيلسوف اليوناني ارستوكليس ارستون، والمعروف لدينا بأفلاطون: " غاية العلم الخير ". فهل يوجد أكثر من خير وفائدة، لعلوم استمر البحث فيها سنوات طويلة، ثم يموت صاحبها وهو لم يكملها ويتركها لمن يأتي بعده ليبني عليها إنجازات ومكتشفات وهو يعلم أنها لن تجير باسمه. وهكذا هم العلماء دوماً مشغولون بالنتيجة والجوهر، وليس بأي شيء آخر.. لأن رؤيتهم وفلسفتهم هي فائدة البشرية، ومحاولة تسخير العلم لمساعدة الناس على الحياة. تيخو براهي، يخلده التاريخ، لأنه تطلع نحو السماء بحب وعفوية وآمن أن لديه ما يقدمه للبشرية.