لأنه لا يستطيع العيش وحيداً


حاجة الإنسان للتواصل حاجة فطرية، وهو لتحقيقها اخترع عدة وسائل، منذ القدم، منذ التاريخ السحيق، منذ أن كان يعيش في داخل الكهوف، حفر على الجدران نقوش وعلامات ورسوم بدائية، أو حتى الرسم على الرمال ورص الحجارة، أو عند اختراعه أداة مسننة من عظام الحيوانات ليتمكن من نحت الحجر ووضع علاماته عليها، أو ترك أثر على الأشجار وأغصانها. في سبيل التواصل، قلد أصوات الحيوانات، الأسود النمور أو الكلاب، والخيول أو الدجاج، والحمام وحتى العصافير. كل شيء فعله وسيفعله من اجل التواصل، اخترع اللغة، ثم رسم الحروف وجمعها لتشكل الكلمات، ثم أدرك أن الموضوع أعظم وأكبر من مسألة التواصل، لأنه شعر بقوة المعرفة وقوة التعبير عنها، فطور الفكرة ليصل نحو الكتابة، واختراع الورق، مرحلة تلو مرحلة، لم يتوقف تجاوز الحاجة للتواصل، ظهرت الآلات الطابعة البدائية ذات الصوت المرتفع، وطورها ليصل للطابعة الكهربائية، فيما بعد حدثت نقله مدوية أخرى عندما بدأ ظهور الكمبيوتر على استحياء، لكنه خطف الألباب، ومعه جاء جهاز آخر يسمى الطابعة، والتي كانت حروفها وحبرها، أجمل، زمن قليل وسيطرت بل ألغت الآلة الكاتبة، حدث تطور آخر ظهرت برامج الكتابة والرسوم والصور على الحواسيب، فحلق العالم نحو التواصل المعرفي، وظهرت شبكة الانترنت، وكانت فتح عظيم على البشرية، واليوم نعيش حقبة الهواتف الذكية وتطبيقاتها العظيمة التي تدفع للتواصل مع الكون بأسره بضغطة بسيطة من زر هاتفك المتناهي الصغر. سبب كل هذا رغبة الإنسان بأن يشعر بأنه ليس وحيداً، بأن هناك من يشاركه الحياة، سبب كل هذا حب الإنسان بأن يشعر بأنه يسكن بقرب شقيقه الإنسان، سبب كل هذا حاجة الإنسان أن ينمي هذا الشعور ويغذيه بالتواصل، وأن يحس بأن الآخرين قريبين منه. إذا لم تصدقوا أن الإنسان يحتاج للتواصل، وسيخترع أي وسيلة مهما كانت، لتحقيق هذه الغاية، وفي سبيلها سيتغلب على كل شيء، حتى بالصفير، نعم ... فهي لغة شعب يسمى لاغوميرا، ليس هذا وحسب بل أنه في عام 1999م بدأ تدريس هذه اللغة في مدارس جزر الكناري التي تقع جنوب غرب إسبانيا، وقد كانت هذه اللغة تؤدي وظيفة هامة وهي التواصل خلال تواجد أيا من أفراد هذا الشعب في الجبال الشاهقة أو الغابات الكثيفة، ففي تلك الأرجاء يكثر الصدى – رجع الصوت – وهذه الميزة استغلها السكان منذ القدم في إطلاق أصوات تشبه الصفير إما للتحذير من الأخطار، أو لأعمال محددة تحتاج للانتهاء منها، أو غيرها من الرسائل المحددة التي يتم التعبير عنها بنغمات وطرق في التصفير. مرت قرون على هذه اللغة ولم تنقرض، بل أنه كما ذكرت يتم تدريسها للأجيال القادمة. وكما قلت أيضاً، سيفعل الإنسان كل شيء من أجل التواصل مع أخيه الإنسان، لأنه لا يستطيع العيش وحيداً، فالإنسان كائن اجتماعي كما قد قيل لنا...