الاكتئاب.. ليس شمّاعة!


الأمراض النفسية، ذلك العالم الغامض الذي يُساء فهمه دوماً، وتعلق عليه الأوهام والخزعبلات، وتتراقص حوله الأساطير والفرضيات العارية من الصحة. إن الأمراض النفسية والعضوية وجهان لعملة واحدة، فالمرض العضوي يقود لمرض نفسي، والمرض النفسي يقود للمرض العضوي أو الجسدي، فإن تكن مريضاً بأي عضو بجسدك فهذا سيؤثر على نفسيتك بشكل سيئ، ولهذا يوجد في كل مستشفى متخصصون نفسيون يراقبون حالات المرضى ويعالجونهم نفسياً قبل أن تتدهور حالتهم أكثر. الخطورة وكل الخطورة تكمن عندما يظهر المرض النفسي بدون سبب عضوي، بمعنى أن يظهر المرض النفسي بسبب الظروف المحيطة بالفرد بينما جسده سليم ومعافى. في هذه الحالة لا يوجد أي توعية ولا أي انتباه لأعراضه، في هذا السياق أستحضر قصة مغني الروك الشهير كورت كوباين الذي انتحر في عام 1994 وهو في السابعة والعشرين من العمر، أود أن أطرح قضيته القديمة مجدداً من باب نفسيّ، وهو الباب الوحيد الذي يمكننا من خلاله أن نفهم ما عاناه كوباين وكثير من الناس بصمت، بسبب مرض الاكتئاب. إنه ليس مجرد حزن، وليس مجرد مزاج سيئ، وليس حالة عابرة، إنه فقدان القدرة الكاملة على الاستمتاع بالحياة. بكل صمت ينتشر هذا الداء في العقل ويجعل كل شيء سوداوياً وبائساً دون سيطرة من الفرد عليه، ورغم وجود رغبة جامحة بإنهاء جحيم الاكتئاب من المريض، إلا أنه مع الزمن يصبح أسلوب حياة وطريقة تفكير. مشكلة الاكتئاب أنه يظهر في الغالب بلا سبب محدد أو وجيه، ولا يتمكن المريض من التعبير عن أحزانه لأنه أحياناً لا يعرفها أو بمعنى أصح لا يستطيع تحديدها، وفي أحيان أخرى لا يثق أن أحزانه ستقنع الطرف الآخر بأنها مُعضلة حقيقية. ليس من الضروري أن يكون سبب الاكتئاب تراكمات ومشاكل منذ الطفولة تكدست في عقل المريض حتى قادته لهذه الحالة النفسية المزرية، فرغم أن هذه الفرضية صحيحة إلا أنها ليست التفسير الوحيد لظهور الاكتئاب. يقول كولد دوبار في كتابه "أزمة الهويات": يعاني العديد من معاصرينا في مرحلة من مراحل حياتهم وفي أحيان بصورة مزمنة، من الشعور بالتقصير أو بالذنب لأنهم ليسوا على المستوى المطلوب، وهذا الشعور يظهر على شكل أعراض مثل الأرق والوهن والتعب المزمن ونوبات الذعر. الانطباع الطاغي لديهم هو انطباع التألم من الذات، وهو لم يتولد من صراع حالي أو قديم بل من ضعف الأنا، ومن التناقص المستمر لتقدير الذات حتى انهياره، ويكون هذا الازدراء للذات في عيني الفرد فقط، وينعكس على كل الحياة حتى تصبح رمادية وتميل أحيانا للسواد" . وهذا بالضبط ما عانى منه كوباين، فرغم توافر كل أسباب السعادة حوله من شهرة ومال وشعبية بين الجمهور المليونيّ، ورغم أنه وفي فترة بسيطة استطاع أن يضع بصمته في عالم الروك وعُدّ فناناً ناجحاً ذا أسلوب مميز ومختلف، إلا أنه وبكل أسف لم يستشعر هذا كله؛ حيث قال في رسالة انتحاره: "أفظع جريمة يمكنني أن أفكر فيها هي خداع الناس بالادعاء أني أتمتع مئة في المئة، فعندما نكون في الكواليس وعندما تنطفئ الأضواء وتبدأ هتافات الجمهور المسعورة فإن ذلك لا يؤثر فيّ، لقد حاولت كل ما في وسعي كي أستمتع بهذه الأشياء ويجب أن أؤكد أني تمتعت بها صدقني يا إلهي لقد تمتعت بها لكن ليس بالشكل الكافي". علينا جميعاً أن نستوعب أن الاكتئاب لا يعني الحزن فحسب، بل هو حزن مزمن يولد من كره المرء لذاته وفقدانه لمعنى الحياة، وفي نهاية المطاف يقود للانتحار. إنه ليس شمّاعة يعلّق عليها المراهقون والعشّاق مشاكلهم، وليس مسرحية تراجيدية تنتهي حالما يُغلق الستار، إنه مرض حقيقي والمصابون به غالباً لا يدركون ذلك، غير أنهم حزينون حزناً سرمدياً، وبعمق وبصمت. علينا أن نكون معهم، وأن نفعّل مراكز الصحة النفسية ودور المتخصصين الاجتماعيين والنفسيين والأطباء والمعالجين النفسيين، وننشر الوعي حول المشاكل النفسية عموماً والاكتئاب خصوصاً، وندحر الأوهام الملتفة حول المشاكل النفسية، ونشجع الناس للتوجه لعيادات الصحة النفسية طلباً للعلاج والاستشارة.