صناعة الجهل


قد يذهل كل من يسمع بهذه الجملة "العالم يعيش أسوأ حقبة من الجهل" لأن هذه الجملة لا تتفق مع حقيقة العصر الذي نعيشه والذي يسمى بعصر المعلومات، والقرية الكونية المعرفية الواحدة.

وعصر المعلومات تعني حديث طويل عن تطورات شبكة الانترنت الهائلة وما تفرع منها من تطور في مجال الاتصالات والهواتف الذكية وتطبيقاتها التي لا تنتهي، والتي فعلاً حولت عالم الإنسان لقرية معرفية، والأهم من هذا برمته أن الحصول على المعلومة والمعرفة باتت بين أصابع اليد الواحدة من خلال الهاتف الذكي الصغير الذي نحمله جميعاً، والذي ينقل لنا مشاهد حية وصور ونصوص في غاية من الدقة والسرعة.

أمام كل هذا الوهج يخرج علينا البعض من دارسي العلوم الاجتماعية، ومراقبي المعارف العامة والبعض من العلماء، ليتحدثوا عن صناعة موازية لكل هذه الثورة المعرفية تسمى صناعة الجهل، لا وظيفة لديها إلا تغيير أمزجة الناس والتأثير على قراراتهم، وإقناعهم بأن الخطأ صح، وبأن ممارسة الفعل المضر بهم إنما هو فعل مفيد.

والأمثلة كثيرة في هذا السياق، فمن صناعة الدعاية والإعلان القوية التي تضغط على الإنسان لشراء مستلزمات لا يحتاجها، وصولاً لما هو أفدح وأخطر، مثل الموضوع الذي تم نشره قبل فترة وجيزة على موقع: ( BBC Future ) تحت عنوان: كيف ينشر أصحاب المصالح الجهل بين الناس، بقلم الصحفية جورجينا كينيون، حيث كتبت: "جاء في مذكرة سرية لبعض شركات التبغ التي تهدف إلى ترويج منتجاتها: الشك هو وسيلتنا الفضلى لمواجهة الحقائق التي تسكن عقول الجمهور، وهو أيضاً وسيلة لإثارة البلبلة. في عام 1979، سُربت مذكرة سرية من شركات التبغ إلى الجمهور، وحملت عنوان: "الاقتراح المتعلق بالتدخين والصحة. حيث كشفت هذه المذكرة السرية عن عدد من التكتيكات والأساليب التي تتبعها شركات التبغ الكبيرة لمواجهة القوى المناهضة للتدخين. هذا التسريب أثار حفيظة روبرت بروكتور، وهو مؤرخ علمي بجامعة ستانفورد، والذي بدأ في التحقيق والتحري عن سلوك شركات صناعة التبغ، وكيف تنشر الحيرة بين الناس حول ما إذا كان التدخين يسبب السرطان. وتوصل بروكتور إلى أن صناعة التبغ لا تريد للجمهور أن يعرف عن أضرار منتجاتها، ومستعدة لإنفاق الملايين لحجب الحقائق عن الأضرار الصحية للتدخين". هذه واحدة من الجهود الحثيثة التي تتم في محاولة لنشر الجهل بين الناس، وسواء في هذا المجال أو في مجالات أخرى، حيث تبدأ عملية التجهيل دوماً بالتشكيك بالحقائق التامة الواضحة والمسلم بها، ثم في مرحلة ثانية يتم نقل المتشكك إلى رفض الحقيقة بشكل قطعي ونهائي، وبالتالي يصبح عقله جهازاً لاستقبال معلومات جديدة، هي المعلومات المغلوطة، وهذه الممارسة ممكن ملاحظتها في بعض وسائل الإعلام المعادية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي من بعض الحسابات الظلامية والمتطرفة، والتي تظل تكذب وتكذب وتكذب، وهي في الحقيقة تحاول زعزعت قناعات الناس والتشكيك بثوابتهم الوطنية، ثم تقوم بمحاولة تمرير أكاذيبها وزيفها.. لا يجب علينا ونحن نعتقد أننا متعلمين بل ومن صناع المعرفة أن نسمح بمثل هذه الصناعة في الرواج والانتشار، بل يجب كسرها والتنبيه لخطورتها بشكل دائم، وهذا أقل ما يجب أن نقوم به تجاه وطننا ومجتمعنا.