قوة «مدام ووكر»


لقد أثبت الإنسان على مر التاريخ، وفي مختلف الحضارات والأزمان، قدرته على تحمل الظروف القاسية، لكنه لم يكن دائماً ينتصر، فكم من الآباء والأمهات تحملوا الفقر وصبروا على قسوته، إلا أنهم في النهاية ماتوا وتشرد أبناؤهم. هذه القصص تحدث من حولنا في كل يوم وفي مختلف الأماكن، لتبرهن أن التحمل والصبر والأمل وحدها لا تكفي بل لا بد من عنصر آخر، إنه «المحاربة». هذه «مدام ووكر» ابنة لمزارعين مستعبدين في عام 1867م يعملان في حقول القطن، في ولاية لويزيانا الأمريكية، ورغم صغر سنها إلا أنها كانت لا بد أن تعمل هي الأخرى، لكن الحياة تعصف أكثر وأكثر لتقطف منها حنان أبويها وتجعلها طفلة يتيمة، انتقلت للعيش مع أختها واضطرت إلى أن تتزوج في سن مبكرة كي تتخلص من قسوة زوج أختها وتعامله السيئ معها. أنجبت طفلة وبعد 6 أعوام توفي زوجها، فانتقلت إلى مدينة سانت لويس التابعة لولاية ميزوري، لتعمل في غسل الملابس بنصف دولار أسبوعياً. كان عملها مثيراً للإحراج، رغم ذلك تمسكت به بشدة لتأمين تعليم ابنتها، وإضافة إلى معاناتها مع الفقر، تعرضت لمضايقات من الناس العنصريين بسبب لون بشرتها، إلا أن عصاميتها وشجاعتها في محاربة الحياة انتصرتا في النهاية.

جاء اليوم الذي قيل فيهل«مدام ووكر» إن شعرها القليل الباقي في رأسها سيتساقط، ولن ينمو مجدداً، إنها مصابة بالصلع، كان الناس يصابون بالصلع بسبب قلة الاستحمام، والذي هو حكرٌ على الأثرياء في ذلك الوقت، غالباً كانت النساء اللاتي يصبن بهذا المرض يبكين من الإحراج ولا يجرؤن على الخروج من منازلهن، لكن روح «مدام ووكر» العصامية التي رفضت اليأس عندما مات والداها وهي صغيرة، والتي رفضت الرضوخ عندما استقبل زوج أختها يتمها وضعفها بالقسوة، والتي رفضت البقاء تحت سطوة آلام الفقر ومذلته وحلمت دائماً بغد أفضل، أمام رفضها الاستسلام أمام المرض، قامت بتصنيع تركيبات عشبية للعناية بفروة رأسها وتنظيفه. وهنا كان الفتح، ونقطة التحول العظيمة، نما شعرها مجدداً، تهافتت عليها العروض وعملت مندوبة مبيعات للعديد من شركات منتجات الشعر، اشتهرت على نطاق واسع، وافتتحت صالوناً لتصفيف الشعر، لم يعد أحد لا يعرف اسمها لذلك من دون شك أن الصالون حقق أرباحاً هائلة. توفيت وعمرها 51 بعد أن أصبحت مليارديرة وورثت ابنتها ثلث الثروة. عندما أنهيت قراءة قصتها رحت أفكر بسر نجاحها، وتساءلت: كيف لفقيرة معدمة، أن تتجرأ وتعتقد أن بمقدورها علاج شعرها بالأعشاب، في حين أن نساء أفضل حال منها سلمن بالأمر الواقع وسجنّ أنفسهن؟ تأملت بتعاطف واستغراب حياتها وارتسمت على شفتي ابتسامة صغيرة وأنا أتمتم: لم يعلمها أحد أن تثق بنفسها، بل على العكس كانت الظروف تحاول أن تكسرها منذ طفولتها. إن الحياة لا تحترم إلا الأقوياء، ومفهوم القوة هنا، هي قوة ثقتنا بأنفسنا، عند عثراتنا وفشلنا. إنها قوة ضوء الأمل الذي يجب أن يبقى في عيوننا متسع لرؤيته في أحلك اللحظات وأقساها، القوة التي أتحدث عنها، هي قوة العيش، التي أعتقد أن «مدام ووكر» امتلكتها وفهمت أهميتها.

لمشاهدة المادة من المصدرأضغط على الرابط التالي :

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/C02F2AFC-63C8-41A3-9A7E-368079583C44