برمودا و«عرش العفاريت»

بالتأكيد أنك قد سمعت بمثلث برمودا من قبل، سواء في برنامج تلفزيوني أو خبر في صحيفة عن اختفاء سفينة ما، أو طائرة بسبب هذا المثلث، أو ربما من خلال حديث عابر مع أحد الزملاء عن مدى غموض وخطورة هذا المثلث، متبادلين بعضاً من القصص التي تشير إلى وجود قوى خفية كالشياطين والجان، مستعينين ببعض الدلائل، مثل أن الجن تحب وتسكن البحار والمحيطات. بدأت قصص مثلث برمودا بالانتشار منذ عهد المستكشف والرحالة المعروف كرستوفر كولومبس، حيث قال إنه عندما مر من قارة أوروبا لأمريكا كان لابد بطبيعة الحال أن يعبر «مثلث الرعب»، حيث شاهد أموراً عجيبة، أحدها كان كرة نارية تسقط في مياه المحيط، وآخر أن البوصلة بدأت تتحرك بطريقة عشوائية مشيرة لأمور غريبة. في منطقة مثلث برمودا تختفي أسراب السفن بشكل كلي، حيث لا يبقى لها أثر، وفي أحيان تختفي كلياً لمدة من الزمن ثم تعود خالية من ركابها، مثل ما حصل عام 1902عندما اختفت السفينة الألمانية «فريا» أثناء رحلتها من كوبا إلى شيلي، وعُثر عليها بعد أشهر خالية من طاقمها. وإلى جانب السفن، فإن أسراب الطائرات اختفت أيضاً عندما عبرت فوق مثلث الرعب، ولعل أشهر قصة هي ما حصل مع طائرات السرب 19، ففي عام 1945انطلقت خمس طائرات من قاعدة فورت لوديرديل الأمريكية للقيام بمهمة تدريبية، عبر السرب 19فوق مثلث برمودا وانتهى به المطاف مختفياً كلياً. يفسر الناس ما حصل بأن الأسراب البحرية والجوية مرت من عند «عرش الشيطان»، البعض على العكس تماماً يؤمن بأن جنة ما تقع تحت مثلث برمودا ما يفسر عودة السفن من دون عودة طاقمها الذي فضل حياة النعيم، وآخرون كانوا أكثر عقلانية وحاولوا الوصول لتفسير علمي، حيث قالوا إن الجاذبية أقوى في هذه المنطقة، وآخرون استعانوا بنظريات الفيزياء شارحين أن ما حصل من اختفاء للأسراب البحرية والجوية كان بسبب اعوجاج في الزمكان، أما عن ماهية الزمكان وكيف ينحني، فهذا ما تتطرق إليه النظرية النسبية لآينشتاين التي يطول شرحها. وللأسف، رغم أن أصحاب هذا الرأي فكروا كثيراً في احتمالية أن اعوجاج الزمكان له دور في التسبب بظاهرة مثلث برمودا، إلا أنهم لم يكونوا محقين، وعزاؤهم الوحيد هو أنهم ليسوا وحدهم المخطئين في تفسير مثلث الرعب، بل إن حتى أصحاب الفرضية التي تقول إن الجاذبية أكبر، وحتى أولئك الذين فسروا الموضوع بشكل أسطوري وخرافي وقالوا إنه مثلث عرش الشيطان أو جنة في أعماق المحيط، جميعهم مخطئون. وهنا يتبادر إلى ذهننا سؤال محير: إذا لم تكن الجاذبية متمركزة فعلاً في منطقة مثلث برمودا، ولم تكن للنظرية النسبية دور في صنع هذه الظاهرة؟.. التفسير ببساطة هو أنها ليست إلا خرافة صنعتها كثرة القيل والقال والشائعات، بل إن الأساطير التي حيكت عنها ساعدت على انتشارها وتوكيد غموضها وخطورتها، رغم أنها ببساطة غير موجودة. يقول عالم الفيزياء الكونية نيل تايسون: «لو تمت ملاحظة عدد الأسراب الجوية والبحرية التي تعبر من منطقة مثلث برمودا وتم حساب معدل فقدان السفن والطائرات فيها فنلاحظ أن هذا المعدل لا يختلف كثيراً عن أي معدل لحساب اختفاء الطائرات والسفن من أي منطقة بحرية أخرى غير مثلث برمودا. لعل هذا القول أكثر واقعية وموضوعية، وتبقى كلمة العلم هي الأعلى والأقوى في دحر الخرافات والأساطير.

لمشاهدة المادة من المصدر أضغط على الرابط التالي :

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/AB25465B-F51C-4CD3-BE93-76D9FF592850