علم الكونيات مشابه للطب الشرعي، لا يستطيعان إجراء تجارب تعيد الأحداث الماضية !!


إن الأسئلة التي يطرحها العقل البشري لا حصر لها، والتي بسببها ظهرت الخرافات والأساطير، لكي تروي عطش هذا الفضول، لكن رغم ذلك فإن بعضها لا يزال غامضاً ومجهولاً، ومعظم تلك الأسئلة تتعلق بالكون والفضاء، إذ إن الفضاء يشكل علامة استفهام بالنسبة للبشرية منذ الأزل وحتى الآن، ورغم وجود تطور وتقدم في هذا المجال إلا أننا لم نتوصل لإجابات عن أسئلتنا، ومن تلك الأسئلة: كيف تكونت المجرات؟ وهل الكون حقا يتمدد؟ هل له نهاية وحدود؟ هل هناك مخلوقات أخرى في المجرات البعيدة؟ هل يمكن السفر عبر البعد الزماني؟ كيف حدث الانفجار العظيم؟ بل أين حدث طالما انه هو أصل الأماكن؟ وهل وهل وهل، تساؤلات بلا نهاية، لكن علماء الكونيات لا يزالون يعملون بجد للحصول على الأجوبة.. يعد كتاب: "علم الكونيات" جهد علمي يصب في نفس هذا المجال ويتميز بأنه يسير الفهم غير معقد فهو يسرد النظريات الصعبة بشكل سلس، ويشرح التفاصيل بطريقة هادئة ومبسطة، لذلك يمكنني القول أنه الكتاب المناسب ليكون البداية لأي قارئ يحاول فهم الكون، وهو بشكل عام يعطي نبذة عن الكون والكيفية التي بدأ فيها، كما أنه يحتوي على أهم النظريات.

قام المؤلف الدكتور بيتر كولز، بتوزيع منجزه العلمي إلى ثمانية فصول، هي: تاريخ موجز، تحدث عن الأقوام والأمم التي لجأت للخيال والخرافات والأساطير لتفسير الكون، ثم فصل تحت عنوان: اينشتاين وكل ما قدمه، تحدث فيه عن مبادئ اينشتاين التي سببت صدمة لمجتمعه والعالم في ١٩٠٥ عندما نشرت نظرية النسبية التي تعد أحد أعظم الإنجازات العقلية في تاريخ الفكر الإنساني، وقدم أيضاً شرح ميسر عن نظرية النسبية وانحناء المكان والثقوب السوداء، وتحدث في الفصل الثالث والذي حمل عنوان: المبادئ الأولى، عن البساطة والتناظر والمبدأ الكوني والطبيعة المتفردة للجاذبية، بينما جاء الفصل الرابع: الكون المتمدد، ليتحدث عن قانون هابل، الذي هو عبارة عن معادلة طبيعة تمدد الكون واحتوى هذا الفصل على الكثير من القوانين الرياضية والفيزيائية مثل إزاحة دوبلر، البحث عن ثابت هابل. وجاء الفصل الخامس، تحت عنوان: الانفجار العظيم، عرض خلاله التفسيرات المرفوضة والمقبولة، التخليق النووي وإرجاع الزمن إلى الوراء وقوى الطبيعة الأربع، والتخليق الباريوني، والدافع نحو التوحيد - يقصد بهذا نظرية التوحد بين القوة الكهرومغناطيسية مع القوة النووية- أما البحث عن قيمة أوميجا فإن هذا موضوع الفصل السادس، الذي حمل عنوان: الكون والمادة، وفيه ضم معظم الأسئلة الكونية المتعلقة بالانفجار العظيم ومحدودية الكون وغيرها، مبينا أنها جميعها تعتمد على رقم أوميجا إلا انه يصعب تحديد قيمة هذا الرقم لذلك فانه يعد من الألغاز الكونية الرياضية المعقدة. ثم نلقنا المؤلف نحو الفصل السابع: البِنَى الكونية، والمقصود بالبنى هو الوحدات البنائية الأساسية للكون وهي المجرات، ويتحدث هذا الفصل أيضا عن أنماط الفضاء، وتكون البِنَى، وصوت الخلق الذي يتحدث عن الموجات الصوتية في الفضاء. أما الفصل الأخير فحمل عنوان: نظرية كل شيء، الذي خصصه عن النظرية الكمية وعن تضمين فيزياء الكم داخل نظرية الجاذبية لأجل إنتاج نظرية للجاذبية الكمية.. الأمر الرائع أن هذا الكتاب مدعم بصور ورسومات بيانية للشرح والتوضيح.

بقي أن تميز هذا المنجز العلمي يأتي من تميز مؤلفة بيتر كولز، أستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة نوتنجهام، والذي شارك في تأليف كتابين دراسيين عن علم الفلك، وكتب حوالي مائة مقال حول نظرية الانفجار العظيم وصدر له كتاب يحمل عنوان أينشتاين ومولد العلم الكبير، وكتاب آخر عنوانه هوكينغ و عقل الإله.

قال الدكتور بيتر كولز، في خاتمة الكتاب: "علم الكونيات مشابة في أوجه عدة للطب الشرعي، فالمختصون في كلا الفرعين لا يستطيعون إجراء تجارب تعيد خلق الأحداث الماضية تحت ظروف مختلفة اختلافاً طفيفاً، كما يفعل أغلب العلماء الآخرين. فيوجد فقط كون واحد، ومسرح واحد للجريمة. وفي كلا الفرعين عادةً ما تكون الأدلة المتوافرة أدلة ظرفية، ويصعب جمعها، وعرضة للتفسيرات المبهمة. ورغم هذه الصعوبات، فإن الحجج المؤيدة للانفجار العظيم، في رأيي، دامغة بما لا يدع مجالاً للشك". وبحق فإن المؤلف وبهذا التشبيه كان أكثر إقناع في موضع لم يحسمه العلم الحديث حتى الآن، وعلى أقل تقديراً منحنا نافذة للشك الإيجابي الذي يمكننا البناء عليه وفق معطيات علمية قادمة، خاصة مع تطور التكنولوجيا والحواسيب وغزوا الفضاء.

الكتاب تم نشره في هذا العام 2015 جاء في152 صفحة من القطع الوسط وهو من منشورات كلمات ومؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.