تحياتي لهذه الأم الذكية




في إحدى المناسبات العامة النسائية، ومن خلال طاولة مستديرة، جلست مع مجموعة، لا أعرف معظمهن، وقد كان نقاشهن يدور حول تدخل الأبوين – الأم والأب – في تحديد مستقبل الابن أو البنت الجامعي، وأنه نتيجة لهذا التدخل يحدث إخفاق كبير في من البنت أو الابن. ظللت لفترة أتساءل لماذا الأب أو الأم، يحرصون على أن يتوجه ابنهم أو ابنتهم نحو دراسة مجال محدد في الجامعة؟

أدرك أنه في أحيان يكون مثل هذا التدخل كارثي، ولا مبرر له، على سبيل المثال يختار الأب أو الأم أن يتوجه طفلهم نحو الطب، وهو غير مهيأ نفسياً ولا يملك قدرات حقيقية لمثل هذه المهنة، أو أن تلزم الأم ابنتها أو ابنها بالتوجه نحو دراسة المحاماة، وهو لا يملك القدرة الشخصية ولا القوة المعنوية التي تساعده في الوقوف أمام القضاة أو أمام المتهمين، ونحوها من الإجراءات التي تحتاجها هذه المهنة. فمن الطبيعي أن تكون النتيجة في نهاية المطاف هي الفشل والتراجع.

لكن ماذا عن الأم أو الأب الذين يعرفون فعلاً مقدرات ابنتهم أو ابنهم، ويدركون حتى أغوار نفسه، ويعلمون أنه يختار تخصص سهل لأنه لا يريد التعب أو كما يقال وجع الرأس، فيلزمونه بدراسة الفيزياء أو الرياضيات، وهم على معرفة تامة بأن ابنتهم أو ابنهم على درجة من الذكاء وممتاز في مثل هذه التخصصات العلمية؟ هنا أعتقد أنه من الأهمية أن يتدخل الأب أو الأم لإنقاذ مستقبل ابنتهم أو ابنهم.

يجب أن لا ننسى أن كل فتاة وكل شاب وهم ينهون المراحل الدراسية ويتوجهون نحو الجامعة، هم في مرحلة عمرية حساسة جداً، البعض لازالوا في أتون مرحلة المراهقة، والتي فيها قرارات مستعجلة، أو قرارات متأثرة بالأقران الآخرين، لذا من السهل توجههم نحو مجال ليس مجالهم أو تخصص لا يجيدونه، فقط من أجل أن يظل مع فلان وعلان أو أن يتأثرون بأي من العوامل الأخرى، هذا واقع ويحدث دوما، لابد أن ندرك أن الفتاة أو الشاب في هذه المرحلة يحتاجون للتوجيه والنصح والإرشاد، وليس للمثالية المبالغ فيها وتركهم يواجهون مصيرهم دون حتى متابعة وتدقيق على اختياراتهم ومناقشتهم في هذه الاختيارات.

إحدى الصديقات، ألزمت ابنها بدخول كلية الحاسب الآلي، وكان يرفض، هل تعلمون ماذا كان يقول لأمه عند رفضه؟ كان يصرخ ويقول ماذا أدرس في هذه الكلية؟ لغات البرمجة أعرفها، أستطيع أن أصمم برامج، أعرف كيف أعمل الشبكات. ماذا ستضيف هذه الكلية لي؟ مؤكد أن الدهشة قد تصيبكم، من سطحية تفكير هذا الابن، الرافض الدخول لكلية هو على درجة عالية من المعرفة بمناهجها التعليمية الرئيسية. الجميل أن الأم كانت على درجة عالية من الوعي، ألقت بجميع نظريات التربية الداعية لترك الأبناء يقررون مسارهم التعليمي، وألزمته بدخول كلية الحاسب الآلي، وبقي أن تعلموا أنه تخصص في أمن المعلومات، ومنذ تخرجه قبل أكثر من عام ونصف العام، انتقل لأربع مواقع عمل، ففي كل بضعة أشهر كان يتلقى عرض وظيفي أعلى في المرتب والمميزات والإغراءات الوظيفية، والسبب مهاراته التقنية في مجال الحاسب الآلي وأمن المعلومات.. تحياتي لهذه الأم الذكية.