الصحافة أفول شمس أو شروقها !!



يعتبر عمر الصحافة الورقية بغض النظر عن خلافات المؤرخين فيه لا يقارن بأثرها الكبير على البشرية، وطوال تاريخها مرت بمحن كثيرة وبعقبات لا تعد ولا تحصى إلا أنها حافظت على حضورها وقوتها ورسالتها وتأثيرها في كل مجتمع.

ولعلها المهنة الوحيدة التي منذ فجرها وحتى هذا العصر الذي باتت فيه مهددة تهديداً حقيقياً بالانزياح أمام وسائل جديدة، أقول بأنها المهنة الوحيدة التي كانت دوماً تواجه التحديات بالمزيد من المهنية والمزيد من الفعالية والمزيد من التأثير، لكنها اليوم تقف على مفترق طرق خطير، ولعل هذه الخطورة هي الأكبر والأعظم من كل ما سبق وأعترض طريقها، فلا تعد أي عقبات سابقة ولا أي صعوبات ماضية ذات مقارنة مع التهديدات الحالية.

في الماضي تعالت الأصوات التي تبشر بزوال الصحافة الورقية بمجرد دخول المذياع للمنازل وانتشاره، لكن الصحافة الورقية لم تتأثر وكان هذا بديهي أمام تواضع تكنولوجيا الراديو وكون النخب في المجتمع هي التي تملك الصندوق السحري، الذي يخرج منه أصوات وموسيقى. ثم تدلف التلفاز لساحة المعركة، وعادت الأصوات تقول بأن هذه هي الضربة القاضية للصحافة، ولكن هذا الجهاز كان انتشاره أكثر بطء ولم يكن يتوفر لدى الجميع، وبعد مرور أعوام انتشر، ولم يحدث أي خلل أو تهديد للصحافة الورقية التي واصلت مسيرة عملها بقوة، بل إنها تطورت هي أيضاً عندما أدخلت الصفحات الملونة في الطباعة، واستطاعت من تقليل حجم الصحيفة حتى يمكن قراءتها في القطارات أو الباصات.

ومنذ فجر شبكة الانترنت، وبداية انتشارها في كافة أرجاء الكرة الأرضية، عادت تلك الأصوات تؤكد بأن الصحافة الورقية تلفظ أنفاسها الأخيرة، مضت نحو العشرين عاما، وسمعنا بصحف عريقة تتحول للعمل الالكتروني، وسمعنا بمكتبات عريقة قررت تحويل مخزونها من الكتب الورقية لتصبح الكترونية، وهذا كل ما حدث، لكن الحقيقة اليوم مختلفة تماما، أمام الهواتف الذكية، ومع تطور شبكات الاتصال، لتصبح بهذه السرعة، ويتوقع أن تتضاعف سرعة شبكة الانترنت، ليصبح بمقدور أي شخص تحميل فيلم مدته أكثر من ساعتين، في غضون ثواني قليلة، هذه الثورة، ستجعلنا جميعا نميل نحو استقبال المعلومات والأخبار سواء أكانت صوتية أو عبر مقاطع فيديو.

البعض مرة أخرى يؤكد بأن هذه المعطيات هي الدلالات على أفول شمس الصحافة الورقية، بالنسبة لي أعتقد أنه لا يمكن للبشرية أن تفرط في هذا الإرث العظيم، الذي أثبت أنه من الإنسان للإنسان، وأثبتت السلطة الرابعة أنها مع الحقيقة دوما، وفوائدها أعظم بكثير مما قد يعتقد البعض، لذا لا أتفق في أن شمس هذه المهنة العريقة ستغيب، لكنني متأكدة أنها ستأخذ منحنى آخر وستغير أدواتها بما يتواكب مع العصر، وهذا في العموم ما حدث اليوم، حيث كثير من الصحف لها مواقع نشيطة وذات تأثير على شبكة الانترنت، ولها حسابات رسمية فاعلة على مواقع التواصل الاجتماعي. الصحافة ستبقى والصحفيين وركضهم وسعيهم نحو الحقيقة سيبقى، لأنه لم توجد حضارة إنسانية حتى اليوم تفرط في مكتسباتها...