نفتقد الفن وجوهره وعمقه


خلال مشاهدة أحد الأفلام الأجنبية المؤثرة، شد انتباهي صوت لبكاء خفيف يتعالى من أحد المقاعد القريبة مني، لكن بعد انتهاء الفيلم فوجئت بأن الكثيرون كانوا يمسحون دموعهم، ورغم تأثري البالغ بالفيلم وقيم الوفاء والتسامح التي غطت أحداثه، إلا أنني توقفت ملياً أمام قيمة الفن بصفة عامة وتأثيره في حياتنا. لأنني وبنفس الوتيرة ألاحظ عند مشاهدة مسلسل أو فيلم كوميدي، الضحكات تتعالى من القلب، بل تتبعها تعليقات أشد إضحاك، تبعا لهذا وفي إحدى حفلات الموسيقار العالمي ياني، والتي أقيمت في دبي في عام 2013، كان الجمهور غفيراً، لكنه تميز بأنه جمهور متنوع تماماً، من مختلف الأشكال والجنسيات، وبلغات مختلفة، وثقافات مختلفة، واهتمامات مختلفة، ودون أي وسيلة للترجمة، انطلقت موسيقى عذبة خلابة راقية، الجميع تأثر، والجميع خرج مدهوشاً، وفي اللحظة نفسها الجميع اكتسب الحاجة التي حضر لها، ولعلها حاجة متنوعة قدمتها نغمات موسيقى تجيد جميع اللغات وتعاملت مع جميع الأجناس بنفس الاهتمام لكل واحدا من الحضور. هذه الوضع جعلني دوماً أفكر بعظمة الفن، على مختلف أنواعه، وعلى مختلف تصنيفاته، وعلى مختلف تعاريفه، فهناك فنانون في مجال التأليف والكتابة، وهناك فنانون على خشبة المسرح، وآخرون مبدعون في العزف، والبعض موهوب في التمثيل، وجميعهم يتميزون ويلتقون عند نقطة أساسية وهي أن عملهم من الإنسان نحو الإنسان، لا يفسد الفن، سوى تلبس الاهتمامات الشخصية، أو السياسية، أو الطائفية، أو نشر قيم ضد الإنسانية كالانتقام وعدم التسامح، ونشر شعارات رنانة مفلسة، وغيرها.. هذه الجوانب هي التي تحد من قيمة الفن، هي التي تجعله عاجزا، ولا يصل للقلوب، لكن الفن إذا انطلق من القلب الإنساني المتجرد، فإنه سيتلقى القلوب وهي مصغية متوثبة متفهمة.

توجد كلمة قرأتها قبل فترة من الزمن عن الممثل الكوميدي البريطاني الشهير روان أتكينسون، والذي عرف بمستر بن، تقول: " اﺳﺘﻄﺎﻉ ﺃﻥ ﻳﻀﺤﻚ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﺜﻼ‌ثة ﺃﺟﻴﺎﻝ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺴﺨﺮ ﻣﻦ ﺃﺣﺪ ﺃﻭ ﻳﺘﻔﻮﻩ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﺃﻭ يتكلم بلفظ جارح". وبحق فإن هذا هو الفن الحقيقي، هذا هو الفن الذي نحتاجه في عالمنا العربي، الفن المتجرد الذي يكون من أجل الإنسان ومتوجها نحو الإنسان. يقول الفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشر: "إن الفن هو تعبير عن عاطفة أو حدس أو شعور يخرج من خيال وتصور إنسان بهدف إسعاد الغير، دون أن يهدف إلى تقرير حقائق أو توجيه أخلاقيات". ببساطة متناهية الفن، هو منك أنت ويتوجه لك أنت، دون أي ثمن، أو سبب، وأعتقد أننا بهذه الكيفية قد نفهم أننا فعلا بحاجة للفن الحقيقي في حياتنا، لأننا بالنتيجة سندرك أننا نفتقد جوهر ومعنى الفن وقيمته وعمقه.