" الكتب في حياتي " من تأليف هنري ميللر رحلة معرفية في عالم التأليف وحديث عن أثر الكتب


طالما كانت الكتب على مر التاريخ وفي مختلف الحضارات نقطة تحول لحياة الأفراد، فكم من الناس تغيرت أنماط حياتهم وآرائهم وأفكارهم بسبب القراءة، مثل السياسي الفلسفي جان بول سارتر، الذي أمضى طفولته بين رفوف مكتبة جده حتى كان يتخيل أن ال

كتب أشخاصاً وأصدقاء ويعتبر أن الأرفف مثل الطوابق في العمائر وأن لكل كتاب شقة، ذكر هذا في كتابه ( الكلمات ) والذي كتبه بعد أن تقدم في العمر، رغم أنه كان لا يزال يتذكر شخصيات وأبطال الروايات التي قرأها في طفولته، مما يبرهن على أن القراءة هي غالباً نقطة تحول مصيرية في حياة الإنسان، وعندما نتأمل الظروف التي أتيحت لمعظم العلماء والكتاب والمفكرين ونقارنهم بأقرانهم فسنجد أنهم عاشوا نفس الظروف لكن الفرق هو أن الذين أبدعوا كانوا يقرؤون، حتى أكاد أقول أن الله يخلق في السماء وجعل الكتب تخلق في الأرض من شدة قدرتها على التأثير و تغيير الإنسان إلى شخصية أخرى بكيان وفكر آخر، يقودنا هذا إلى كتاب: "الكتب في حياتي" للروائي الأمريكي الشهير "هنري ميللر" الذي يتحدث فيه عن تجربته في عالم الأدب وعن نهمه الجنوني تجاه الكتب. أثناء تصفحي للكتاب قبل شراءه وجدت أنه من الصعب فهمه وأن علي إعادة قراءة السطر ثلاث مرات لأفهم الفكرة التي يريد إيصالها، وعندما وجدت أن ميللر، نفسه يؤكد هذا في صفحة ٦ تحت عنوان ملاحظات المؤلف إذ قال: "هذا الكتاب طبع أول طبعة وجدها العديد من القراء صعب القراءة على العين، وتلقى نقدا سيئاً" و لكني عندما قرأت في موضع ثاني قوله: "انه كتاب وضعت فيه الكثير من الجهد والفكر وكنت أود لو استطيع أن أضيف جزءاً ثانياً وثالثاً" عندها قررت اقتناءه، فعندما يبذل الإنسان جهداً ثم يتلقى نقداً ويعترف بأنه تلقى ذلك النقد دون اتخاذ وضعية الدفاع أو الهجوم على المنتقد - كما يفعل بعض أدبائنا- ففي هذه الحالة أعتقد أنه يخفي عملاً عظيماً.

يصف ميللر كتابه فيقول: "لقد لاحظت مؤخراً أن الشبان يتحولون أكثر فأكثر إلى الكتب الميتافيزيقية والغامضة والصوفية بالإضافة إلى البذيئة، في هذا الكتاب أعتقد أنهم سيجدون أجوبة وإشارات سوف توجههم إلى ذلك النوع من الأدب المفيد والدائم" ونلمس في عبارة ميللر انه على الرغم من كونه روائي عالمي، إلا أنه كان على معرفة باهتمامات الشباب وعلى اطلاع بتوجهاتهم وحمل على عاتقه إصدار كتاب يفيدهم لاختيار الكتب الصحيحة، أعتقد أن هذا هو نموذج الكاتب المنتج المؤثر، وأن هذه هي وظيفة الأدب، والكتاب ما هو إلا مرآة لشخصية مؤلفة.

هذا المنجز الأدبي مزدحم بالذكريات والحكم والكنوز المعرفية الهامة لكل من يريد اقتحام الأدب والتأليف، وأيضاً للقراء بصفة عامة، وقد أضاف في نهايته ملحقات بعناوين الكتب التي كان لها أشد تأثير عليه، هذا المنجز من منشورات دار المدى، وتم طباعته أكثر من مرة، وتولى ترجمته أسامة منزلجي، وجاء تصميم غلافه بريشة ريم الجندي، واحتوى على ٤٨٠صفحة من الحجم الوسط.