لا تحتاج لجزيرة معزولة.. غير نفسك فقط



يقال جزيرة "ماكيناك" التابعة لولاية ميتشجان الأمريكية، لا توجد فيها سيارات منذ عام ١٨٩٨م وحتى الآن، وهو الأمر الذي اضطر سكان الجزيرة للاعتماد على الدراجات والخيول، وتبعاً لهذا الوضع تم ملاحظة أن معظم السكان - حتى كبار السن منهم - يتمتعون بصحة جيدة بسبب الهواء النقي وبسبب اعتمادهم الكلي على الدراجات، التي جعلتهم يمارسون الرياضة بشكل روتيني بطريقة غير مباشرة، كذلك معظم سكان "ماكيناك" يشعرون بالسعادة والراحة بسبب صحتهم الجيدة وبيئتهم النقية.

لقد تبادر لذهني مباشرة وأنا أقرأ عن هذه الجزيرة، هو السفر إليها لأتمتع بما يتمتعون به من السعادة والعفوية، إذ اشتعل في نفسي ألم وهم كبير على الحياة المدنية المعاصرة التي نعيشها جميعاً، والتي قد تكون محملة بتلوث الهواء فضلاً عن الصخب والضجيج والزحام، والتي تعد من الملوثات النفسية والروحية، إلا أني عندما فكرت ملياً وجدت أن الأمر لا يتعلق بجزيرة " ماكنياك " تحديداً، بل يتعلق بنمط الحياة الذي نعتقد أنه فُرض علينا، والحقيقة أننا نحن من اخترناه بإرادتنا ورضخنا له، ولأن هذا ما يفعله معظم من حولنا، بمعنى الحياة الصحية متوفرة وبين أيدينا إذا رغبنا فعلاً بإتباعها، حيث يمكننا ممارسة الرياضة بشكل منتظم، أو على الأقل الذهاب إلى الممشى وركوب الدراجة الهوائية في عطلة نهاية الأسبوع، وستكون هذه رسالة قيمة نوجهها إلى محيطنا بل وإلى أبنائنا، يمكننا كذلك تحويل بيئتنا - على الأقل في حدود المنزل - إلى بيئة نقية خالية من التلوث والضوضاء، عن طريق زراعة نباتات أو شتلات بسيطة، ووضع عوازل الصوت في غرف الجلوس والاسترخاء والنوم، إنها تغييرات وممارسات بسيطة تلك التي ستجعلنا نتمتع بما يتمتع به "الماكيناكيديون في تلك الجزيرة المعزولة" دون الحاجة لمنع استعمال السيارات، "ماكيناك" ومناطق أخرى مماثلة لها، ليست في معزل عن هموم الحياة ومشاكلها، لكنها تميزت بأنها وفرت لجسد الإنسان ما يحتاجه، الرياضة، والبيئة الصحية، وكلتاهما يمكننا توفيرها لأنفسنا وعائلاتنا. المهم أن نتوقف عن النظر لنماذج وقوالب نعتبرها مثالية ونقارنها بواقعنا دون أي جهد منا لنجد مثل هذه المثالية في واقعنا فعلا ووفق ظروفنا. إن الذي يريد التغيير حقاً سيبدأ بنفسه. وصدق عملاق الرواية الروسية والمصلح الاجتماعي ودا

عية السلام ليو تولستوي، عندما قال: "الكل يريد تغيير العالم من حوله, لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه". كم من الشواطئ لدينا بهواء نقي؟ وكم من البراري بالقرب منا يمكن التمتع بنسماتها المسائية بنقاء وهدوء تام؟ كل شيء بالقرب منا، الطبيعة والنقاء والهدوء وأيضاً كافة وسائل ممارسة الرياضة، لكن الشيء الوحيد الذي نفتقده فعلاً في هذا السياق هو التخطيط لعيش هذه الحياة، نفتقد الإصرار الشخصي الذاتي، ولا أكثر.