عندما تجود الأرض بتاريخها ويرفضها الإنسان


السعي نحو المحافظة على التراث هو جزء من مهمة أي أمة تريد أن تبقى ذاكرتها عبر الزمن متوهجة، لذا فإن استحضار الموروث والمحافظة عليه يعد واحدا من أهم وسائل ربط الأبناء بالأجداد، بل البعض يعد التراث على مختلف أشكاله وأنواعه، أكبر وأعظم رابط بين الأرض والإنسان، ولو لم يكن للتاريخ والآثار كل هذه الأهمية لما وجدنا معظم دول العالم إذا لم تكن جميعها توليه كل هذه العناية والاهتمام.

ونعلم أن عمليات التنقيب في الأرض بحثاً عن الآثار متواصلة ومستمرة لتحقيق فهم أكبر عن الماضي والإنسان الذي عاش خلاله، وما أن يعلن عن كشوف أثرية حتى يتم المسارعة لاستخراجها واعتبرها كشوف فريدة تخضع للدراسة والتمعن، والحماية الدولية، ويحدث احتفاء كبير ليس في وسائل الإعلام وحسب بل على نطاق عالمي، فضلاً عن أهل البلد الذين يوجد في أراضيهم هذه الكنز المعرفي.

إلا أن في بلد مثل أفغانست

ان، الوضع مختلف تماماً، بل مذهل تماماً، فبينما تجود الأرض بكنوزها الأثرية، وتكشف عن تاريخها وماضيها، يقف الإنسان هناك بسلبية بالغة وكبيرة تجاهها، قرأت في مجلة ناشيونال جيوغرافيك، تحقيق صحفي مطول تحت عنوان: ميس عينيك، أفغانستان المتسامحة، جاء فيه: "لا يواجه علماء الآثار مشاكل تتعلق بالندرة بل بالوفرة، فمعدلات الحفر والتنقيب تجاوزت أهدافها، وباتت تفوق قدرة العلماء على تخزين وحماية كل الآثار التي يقومون باستخراجها من باطن الأرض، ويقول نائب وزير الثقافة الأفغاني السابق وعالم الآثار عمر سلطان، القيام بالحفر والتنقيب أمر سهل، لكن الحفاظ على الآثار المكتشفة هي المهمة الأصعب، وقد تم نقل أكثر من ألف من أهم القطع الأثرية مباشرة إلى المتحف الوطني في كابول، ويقول عمارة خان مسعودي الذي عمل لسنوات مديراً للمتحف: لسوء الحظ لا يمكننا قبول جميع القطع الأثرية، إذ لا يوجد مكان كاف لها". لذا يبقى تاريخ هذه المنطقة عرضة للسرقات، وأيضا عرضة للتدمير من قبل المتطرفين، ولكنني أستغرب تراخي المنظمات الدولية المهتمة بهذا المجال، لماذا لا تعمل على إيجاد أماكن ومواقع لحفظ تاريخ هذا البلد؟، حتى يعود الاستقرار ويبدأ النمو والبناء والتطور، أعتقد أن هذا أقل ما يستحقه هذا الشعب من العالم، وهو يمر بهذه المحنة في تاريخه.

الكشوف الأثرية ساعدت الإنسان عبر التاريخ لفهم مسيرة الآباء والأجداد، ووضع اليد على تاريخ ملحمي وعظيم، لذا فإن عمليات التنقيب والبحث مستمرة، ويفترض أن تستمر ولا تتوقف، لأن هذه الكشوف ليست تتعلق ببلد دون سواه، فهي تعطي ملامح عن تاريخ البشرية بأسرها، ومن أجل هذا جاءت الاتفاقيات الدولية لتعمل على حماية التاريخ البشري من الاندثار والضياع، أتمنى أن تبادر منظمة مثل منظمة اليونسكو، وتبذل المزيد من الجهد لحفظ هذا الكنز الإنساني.