الظالم المسكين


كنت في زيارة لإحدى المدارس، وعند مغادرتي صادف خروج إحدى الإداريات من مكتبها، وسمعتها وهي تصرخ بصوت عالٍ على العاملات وتأمرهن للقيام بمهمة عمل حالاً والآن، إلا أن العاملات رفضن تنفيذ أمرها، مما جعلها تدخل موجة من الصراخ في أوجههن. فتدخلت مذكرة لها بأنها في صرح تربوي تعليمي وأن العاملات أصلاً مشغولات كما هو واضح أمامنا في عمل لم ينتهي، إلا إنها تجاهلتني ورحلت، علمت فيما بعد أن هذا هو أسلوب هذه الإدارية، وهو الصراخ سواء على الطالبات أو العاملات أو حتى في وجه زميلاتها في العمل، ولكنهن يعلمون أنها تعاني من مشاكل مع زوجها لذا هن متعاطفات معها فيصمتون، بطبيعة الحال سلوكها السيء لا يمكن تبريره مهما كانت الظروف التي تمر بها، لأن منظر العاملات وهن يتعرضن للإساءة اللفظية كان مؤلم، لذا لا أعتقد أن هناك أي عذراً يبرر ظلمها واهانتها للآخرين.

مثل هذه القصة تتكرر عشرات المرات في مختلف المجتمعات، يتعرض أحدهم لبعض الضغوط الأسرية أو نحوها فينفس عن هذا الضغط ضد من هو أضعف منه، في حالة هذه الإدارية التي تمر بمشاكل مع زوجها، يمكنها التوجه للأجهزة المختصة في مجال حقوق المرأة أو الدعم الأسري والاستشارات، بل حتى الأجهزة الأمنية إذا لزم الأمر، دون أن تسبب الضرر للآخرين، خاصة أن البعض من الآخرين قد يصمتون خوفاً أو عجزاً وضعفاً وعدم معرفة بحقوقهم مثل العاملات.

أما إذا قررت هذه الإدارية الرضوخ لظلم زوجها لأي سبب من الأسباب، فلتتحمل عواقب هذا القرار وحدها.

الموضوع لا يتعلق بالنساء فقط، بل يشمل حتى الرجال، عندما يرتكب أحدهم خطأ على آخر، قد نسمع من يبرر هذا الخطأ بأنه"مسكين وراه ديون" أو "مسكين أبوه طرده" أو "مسكين ولده عاق" وغيرها الكثير من المفردات التي توحي لك بأن تصمت على الخطأ إذا ارتكب عليك بحجة أن الذي أخطأ بحقك يمر بظروف عصبية قاسية.

هذا يجعلني اسأل من الذي قال أن هموم الحياة تجعل الشخص ظالماً؟ من الذي وضع هذا المبدأ؟ لأن ظلم الآخرين بحجة الضغوط النفسية ما هو إلا تبرير واهن لا قيمة له، وبالمناسبة فإن الظلم هنا لا يقع إلا ضد من هو أضعف، فتلك الإدارية، كانت تتبسم في وجه مديرتها وتمازحها بعد صراخها المدوي ضد العاملات، الحقيقة أن هذه النوعية من الناس وأسميهم فئة "الظالم المسكين" يتلونون كالحرباء فتجدهم فعلاً "ظالم" تجاه من هو أضعف منه، ولكنه "مسكين" تجاه من هو أقوى منه، أقول لأي شخص قد يسمح لنفسه بظلم الآخرين، لا تحاول إيجاد مبررات لنفسك، لا تحاول أبداً، فأنت هكذا ترتكب خطيئة أخرى إلى جانب ظلمك، والحل الأمثل هو أن تتصرف تجاه مشاكلك بشكل عملي، ولا تقحم الأبرياء أو من يعمل معك في أتون غضبتك وضغوطك الحياتية، يقول الخليفة عمر بن عبدالعزيز: "إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك ".