العلم والواقع العربي

أظهر مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مراتب متدنية لمعظم الدول في عالمنا العربي. وهذه هي النقطة الرئيسية، في حال رغب أي دارس معرفة حقيقة الحال في المجتمعات العربية، لأن التعثر المعرفي والتعليمي ما هو إلا ضوء قوي يوضح لنا أن باقي المفاصل الحياتية لا تسير في عالمنا على وتيرة التقدم والنجاح. والسبب ببساطة متناهية أن كل شيء يبدأ من التعليم وينطلق من التعليم ويتواصل المسير بالتعليم، فكلما انتشرت مظلة العلم في أي مجتمع انتشرت تبعا له جميع القيم الخلاقة وظهرت الأجيال متمكنة متفوقة متعززة بالعلوم والمعارف.

لا أحد يشكك في أن التعثر في أي مرحلة من مراحل تعليم الفتيات والأبناء منذ نعومة أظفارهم وحتى التعليم العالي، سينعكس على مقومات الحياة الأخرى وسيمس بطريقة أو أخرى التنمية الاجتماعية برمتها.

إن التراجع العربي في مجال الاهتمام بالتعليم، شيء بديهي وله دلالات على أراض الواقع ويكفي أن تنظر بشكل معمق للبلدان الأكثر سوء والتي لم تحقق قفزات جوهرية وحقيقية في هذا المضمار، ستجد أنها تعيش حالات كبيرة من الفقر والعوز وتنتشر فيها البطالة وخططها فاشلة، ومخرجات التعليم المتعثر لا تلائم سوق العمل، وستلاحظ دون عناء أن المهام الوظيفية القيادية يتقلدها أناس غير مؤهلين التأهيل المناسب والمتخصص مع مهام العمل، وستلاحظ أن هناك تسربات وخروج مبكر من مضمار التعليم والتوجه نحو سوق العمل بخبرات متواضعة وأيضا تعليم متدني، مما يظهر البطالة المقنعة وغيرها من العوائق لأي تطور، التعثر في التعليم يعني ديون وتحطم للآمال، وفي محور آخر ستلاحظ ضغط كبير على الرعاية الصحية، وتعثر جسيم تتعرض له، وقلة في الموارد البشرية المؤهلة، وبالتالي تعاني من التسرب الوظيفي، أيضا فشل التعليم في أي بلد يعني، أن الرعاية الاجتماعية هي الأخرى سترزح تحت ضغوطات كبيرة وجسيمة تتعلق بتزايد المحتاجين لخدماتها مع قلة في موظفيها المؤهلين وأيضا تناقص في مواردها المالية، ببساطة متناهية التعثر في الحركة التعليمية في أي بلد تعني اختلال الميزان بأكمله وأقصد ميزان الحياة، الذي يعتمد دوما على المعرفة والتفوق والنجاح في حل المعضلات واكتساب الخبرات والمعارف، وهذا لن يتحقق إلا بمستوى تعليمي يسود وينتشر بين كافة أفراد المجتمع، وليس العكس، نظرة واحدة لواقع عدة بلدان عربية ستحزنك، حيث ستجد أن أرقام الجرائم على مختلف أنواعها منتشرة، وستجد أن العمل يتم بعيدا عن القوانين والأنظمة والمراقبة، فيتعرض طالب الوظيفة للمساومة من أجل لقمة العيش ويضحي بكثير من حقوقه من أجل أن يحافظ على مورده الحياتي.

أعود للحديث عن مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لتوضيح نقطة جديرة بالتنبه وهي أنه يتحدث عن جودة التعليم، فهو يفترض ويسلم تماما أن الحركة التعليمية متواجدة، لكنه يحكم على الجودة، فكيف هو الحال إذا علمنا أن بلدان في عالمنا العربي تنتشر فيه الأمية؟ وأقصد أمية القراءة والكتابة، أعتقد أن الواقع أكثر ألم.