فهم أثر القوة الحقيقية على مستقبلنا


أعتبر من البديهي جداً أن يكون للتكنولوجيا أثر واضح وكبير على كافة مفاصل حياتنا، وخاصة في مجال المعرفة والقراءة تحديداً، وهذا الأثر ليس بالضرورة أن يكون سلبياً كما يرى البعض، خاصة إذا علمنا بأنها تحمل عدة إيجابيات، منها إتاحتها المجال لتكو

ن المعلومات في متناول اليد، فاليوم نشاهد آلاف من الكتب التي يتم تداولها الكترونياً وفي مختلف المواضيع والتخصصات، وبات بإمكان هواة الكتب على سبيل المثال القراءة بواسطة هواتفهم الذكية. لكن المعضلة في هذا السياق أنه يقابل هذا الوهج المعلوماتِ الكثير من المغريات التي تجذب القراء وتبعدهم عن رحاب الكتاب. فالتكنولوجيا مسؤولة أيضاً عن ملايين الألعاب الالكترونية ونشر الأفلام والموسيقى، وهي وسائل ترفيهية لا تغني عن الكتاب، لكنها تزاحمه.

ولو أمعنا النظر في مثل هذا الجانب فإننا سنجد على امتداد التاريخ الحديث للإنسان، كانت دوماً هناك وسائل حديثة تزيح الكتاب أو تحاول التغلب عليه، في السابق كان اختراع التلفاز يشكل تهديد قوي، لكن قابله تطور في فنون الطباعة والتغليف، اليوم يقابل الثورة التكنولوجية، زخم في نشر الكتب بوسائل حديثة أيضاً، فنشاهد طرق لإيصال الكتاب حتى كمبيوترك الشخصي بأرخص ثمن، وانتشرت المكتبات الالكترونية سواء التي تقدم الكتب المجانية أو التي تباع، والذي استنتجه أن التكنولوجيا لم تكن قاسية على الكتاب – المعرفة - حيث قدمت له وسائل مفيدة تماماً كما قدمت لصناعة السينما والفن وغيرها وسائل جديدة.

يبقى التحدي على الإنسان نفسه، وإذا ما كان لديه رغبة حقيقية بالتسلح بالعلوم والمعارف والتوجه نحو الكتاب، أم هو يرغب بالركون لوسائل أخرى.

وننتهي أن المعارف متاحة لكن تحيط بها مغريات أخرى تجذب وتبعد الجميع عن حياضها، وبالتالي فإن الابتعاد عن البحث عن المعرفة والتسلح بها، هو قرار شخصي لا تتحمل التكنولوجيا الحديثة ولا مغريات العصر المتنوعة بل يتحملها كل واحدا منا، وعندما نقول التسلح بالمعرفة فلأنها وطوال تاريخها ثبت لدى البشرية أن المعرفة قوة، والابتكار والاختراع ضمان للمستقبل والتميز في ركب العلوم والمعلومات هو السبيل للتفوق سواء على مستوى المجتمعات أو على مستوى الأفراد. يقول الدكتور أوغست كونت، عالم علم الاجتماع الشهير: "المعرفة هي القدرة". أما الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون الذي عرف عنه بأنه رجل دولة ومؤلف، فيقول: "المعرفة قوة" وهذا الجانب الذي يتعلق بأثر المعرفة والعلم طويل وواسع، لكن وبشكل موجز ومختصر من يملكها ويسعى نحوها لن تخذله وستكون دوماً بجواره، والذي أخلص له من هذا، أننا في هذا العصر المحمل بكل المغريات وكل هذا الضغط على وقت الإنسان، يبقى حيز للعلم والمعرفة قوي وحاضر لمن يدرك بعدها وقوتها وأثرها على مستقبله الشخصي. ويبقى علينا نحن فهم هذه الحقيقة ومن ثم ترتيب أولوياتنا وفق هذه المعطيات، معطيات القوة الحقيقية في مستقبلنا.