قصة التراث والإصرار على الأمل


البعض من المتحمسين للتقدم والتطور، يتبنون طرحاً جارفاً يدعو لتجاوز الماضي وتركه وراء ظهورنا والالتفات والتركيز على المستقبل، بحجة أن هذه هي الطريقة الصحيحة للنهوض الحضاري. بطبيعة الحال فإن رأياً مثل هذا يعد مقتصراً ومحدوداً، وفيه دعوة غير مبررة ضد تراثنا وقيمنا، وضد ما توارثناه من الآباء والأجداد من علوم ومعارف وتجارب وخبرات حياتية. أنا مع الاهتمام بالعلوم الحديثة، والتطلع إلى ما هو أفضل، وتعلم التقنيات، وأن تكون مناهجنا الدراسية وفق أعلى المعارف وآخرها، لكنني أيضاً مع تراثنا وجميع ما توارثناه من علوم، وبالمناسبة فإن الاهتمام بالتراث والقديم ودراسته ليست عادة عربية، كما يحاول البعض أن يروج وينشر، بل هناك من الأمم والشعوب من تهتم بالعلوم التراثية وتوليها العناية والاهتمام الكبيرين، بل تخصص أقساماً علمية لدراسته. لن أذهب بعيداً، وأستحضر مثالاً من الصين، والتي بفضلها وجدت البشرية العلاج الناجع والنهائي لمرض الملاريا، والذي ذهب ضحيته الملايين من البشر، ففي عام 1967أطلق مشروع طموح لمحاولة اكتشاف علاج لهذا المرض الفتاك، وكان من بين العلماء باحثة تسمى تو يويو، هذه العالمة تحديداً قررت نهج طريق مغاير لبقية الفريق العلمي، حيث ركزت على دراسة النصوص التاريخية الصينية القديمة، وقامت بجهد كبير للبحث في طرق العلاج التقليدية، ومن أجل تحقيق هذه الغاية سافرت إلى مختلف أرجاء الصين، في محاولة لإيجاد العلاج، وخلال رحلتها تمكنت من جمع نحو ألفي تركيبة علاجية تحتاج للتجربة، ومن بين تلك المركبات العلاجية التي وجدتها كانت مادة مشتقة من إفرازات نبات الأفسنتين، وهي النبتة التي كانت تستخدم في علاج أعراض تشابه الملاريا منذ عام 1600تقريباً في الصين، وغني عن القول، إن العالم برمته بهذا الكشف يكون قد وضع يده على المادة التي تقي من الإصابة بهذا المرض الخطر، حصلت هذه العالمة على جائزة نوبل في مجال الطب، لكن قصتها تستلهم عدة جوانب حيوية ومهمة؛ منها الإصرار والتحدي وبذل الجهد من أجل العلاج، ثم إنها وبذكاء توجهت نحو التراث وتركته الهائلة، وقامت بالنبش والبحث الدقيق فيه، ليس هذا وحسب، بل إنها تطوعت لتكون أول إنسان تتم تجربة هذا الدواء عليه. واليوم تقول منظمة الصحة العالمية، إن هذا المصل العلاجي والواقي من الملاريا تم حقنه لأكثر من مليار إنسان منذ عام 2000، وأنه ساعد بشكل لافت في السيطرة على انتشار الملاريا في المناطق التي عانت منه طويلاً في مختلف دول العالم.. لنستمع إلى ما قالته هذه الباحثة تو يويو، بعد اكتشافها: «إن علاج الأرتيميسينين هو هدية الطب الصيني التقليدي للعالم». نحن نحتاج إلى عودة حقيقية لتراثنا وعلوم الآباء والأجداد، بمزيد من الدراسة والبحث والتقصي، وفي الوقت نفسه نحتاج للثقة بقدراتنا، وأن نملك الحماس والأمل والإصرار والتحدي لتحقيق الأهداف والتطلعات لخدمة الإنسانية قاطبة.

لمشاهدة المقال من المصدر أضغط على الرايط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/dbafe797-35e2-4664-9e2d-c08ff30b5153