خلقنا لنجازف!!


ذات يوم قرأت قصة لشاعر برتغالي - لم يذكَر اسمه- قال كلمة وهو على فراش الموت: "لم أكن الشخص الذي أردت أن أكونه". تأملتها ووجدت أنها تخفي بين طياتها كمية ليست قليلة من الألم! وتفضح هزيمة شنيعة أمام معارك الحياة. ربطتها بموقف حين دعوت صديقاتي إلى منزلي وقد جاءت إحداهن برفقة أختها الصغيرة، وهي طالبة في الثانوية فيما كنا نحن معظمنا جامعيات وموظفات، وقد لاحظت أنها تتحدث عن المستقبل بكثرة، وأنها الأكثر حماساً واندفاعاً نحو الحياة. وبينما هي تتحدث عن آمالها، لوحت أختها بيدها وهي تنظر نحونا مبتسمة وقالت ساخرة: "نفس كلامنا يوم كنا بالثانوي". وتقصد أن هذا الحماس سيتضاءل وستقترب أختها بعد سنوات قليلة من الحقيقة وسترضخ للواقع وتكف عن الحلم. وأربط هذا بقصة أخرى -أدرك أنكم مللتم من كثرة ربطي للقصص لكني رزقت حب التحليل والتدقيق في المواقف من حولي- ذات مرة ركبت المترو وبجواري عجوز هندي، ولأجل اختصار الوقت فتحت حواراً معه وقلت له: إن الطقس اليوم حار، وسرعان ما بدأ بتبادل الأحاديث معي وكلمني عن آماله ومخططاته المستقبلية، وأنه يريد أن يبدأ بالتجارة بالتمر، وقال ضاحكاً :"أنتم الإماراتيين تحبون التمور لذلك أنا متفائل بتجارتي". سألته إن كانت لديه مخاوف من الخسارة كأي تاجر، ضحك وقال: إنه خسر عشرين مرة وإن الحياة تعتمد على المحاولة وإننا خلقنا لنجازف. لم أنطق بكلمة أمام وجهه الممتلئ بالتجاعيد وشعره القليل الأبيض، لسان حالي كان يقول: أمثالك يجهزون أكفانهم ويستعدون للرحيل، وأنت لا تزال تحلم وتعمل وتربح وتخسر! أنت لا تزال ممتلئاً بالحياة! نزلت من المترو وأنا أفكر بكمية الأموات الذين يعيشون بيننا. لماذا يذبل حماسنا كلما كبرنا، لماذا نسمح لأمواج الحياة أن تتقاذفنا وتحدد على أي شاطئ تبصقنا! لماذا لا نقف أمامها بعناد ونصارعها ونختار مصيرنا ونحقق مرادنا بقوة الأرواح التي تنبض في داخلنا! أعتقد أن هذا الفرق بين الأموات والأحياء. ولأننا لا نزال على قيد الحياة فإننا كل يوم يمكن أن نخوض حرباً، كل يوم يمكننا أن نتمنى شيئاً ونُنشئ حلماً جديداً، كل يوم يمكننا أن نتعلم شيئاً؛ أن نتخذ أو نتخلى عن مبدأ كل يوم. يمكن أن نكتشف أخطاءنا ونصلح ذواتنا.. كل يوم فرصة جديدة، إذا استغللناها يمكننا أن نموت ونحن نقول: "كنت الشخص الذي أردت أن أكونه".