الأطفال وروح الفيلسوف !


كنت في السوق عندما كانت امرأة تقف بجانبي تختار قميصاً من محل الثياب وكان طفلها صامتاً وفجأة صدح بسؤال غريب: "من أين أتت الألوان؟" غير أن أمه لم تعر لسؤاله أي اهتمام، وسرعان ما صرخ بسؤال آخر: "كيف يصنعون الأقمشة؟" وظل يعيد أسئلته حتى نهرته والدته وأمرته أن يصمت.. ذكرني هذا الموقف بمصطلح نسمعه كل يوم لكننا في الواقع نجهل ماهيته أو ما لذي يعنيه، إنه الفلسفة !.

لا يمكن تحديد على وجه الدقة متى وكيف نشأت الفلسفة، ولكن يمكننا القول إنها انتشرت على يد اليونانيين في القرن السابع قبل المسيح، وتعتبر الفلسفة هي الملاذ لأولئك الذين لا يتوقفون عن التفكير بالعالم حولهم ويصنعون من هذه التأملات والأسئلة قضايا شائكة ومصيرية، إن الفلاسفة هم أولئك الذين يفكرون خارج الصندوق ويراقبون سير المجتمع وقوانينه ومشاكله عن بعد ليسألوا ويحتاروا ويفكروا وفي بعض الأحيان تنتهي معاركهم بإيجاد جوابٍ ما ولكن ربما يظهر فيلسوف آخر ويحطم الجواب، ولعل في هذا تفسير لكثرة التناقضات في مجال الفلسفة، فكل نوع يناقض الآخر وكل نوع يحطم الآخر وكل منطق يضحده منطق آخر وهكذا.. نهاية هذه المعركة تعني نهاية الفلسفة، فهذا ما تقوم عليه وهو النقاش والتساؤل والتأمل في أي مجال كان دون اعتبار لأي قانون أو عُرف يمنعهم من التفكر.. والآن ما علاقة الطفل في السوق بهذا كله؟ كلمة الفلسفة تعني حب الحكمة، وهذا ما فُطِرنا عليه جميعنا حتى غرقنا وسط القوانين والأجندات والخطط، حتى غرقنا وسط العمل والدراسة وأصبحنا أفراداً ربما استهلاكيين أو مساهمين في المجتمع، غير أن الأطفال مختلفين، فهم لا زالوا يحافظون على روح الفيلسوف بداخلهم، في الواقع هم شغوفين بالعالم، ودوماً ما يعتريهم الذهول الذي يدفعهم للاستفهام والرغبة بالمعرفة، أو بعبارة أخرى حب الحكمة.. إن سقراط الذي كان يمشي في أسواق وشوارع وأزقة أثينا يطرح الأسئلة على الناس، أسئلة لا يمكن لهم أن الإجابة عنها، ويحاول من خلالها أن يثبت لهم أن لا يعرفون، سقراط الذي حمل على كاهله مهمة تحفيز عقول الناس للتأمل عن طريق خوض حوارات معهم، حوارات وليست محاضرات، كان يستخدم حجج الناس وردودهم ضدهم عندما ينسف تلك الأفكار السطحية، سقراط الذي آمن أنه يجب أن يكون لكل إنسان رأي ومعرفة ذاتية تنبع من أعماق نفسه لأنه لا يمكن يكتسبها من الخارج، والذي قال "اعرف نفسك بنفسك" تم الحكم عليه بالإعدام عام 399 قبل الميلاد بحجة تشويش نظام المدينة وزعزعة القيم وإفساد الشباب. وعندما استحضر أحداثاً مؤسفة وقعت في قرون غابرة وقبل الميلاد هذا لا يعني أننا لا نعيش نفس المأساة في عصرنا الحالي، فإعدام سقراط يشبه – من ناحية المبدأ - ما فعلته الأم مع طفلها الذي ما انفك يسألها أسئلة مريبة تفضح جهلها وقلّة علمها فهزأته وأخرسته. ببساطة نحن نخاف مما نجهل، ونكره من يسلط الضوء على أركان مظلمة لا نراها ونتوجس ريبة من أولئك الذين يسبحون عكس التيار. ببساطة لازلنا نقمع الفلاسفة بطريقة أو أخرى!