نحن بأفكارنا نقتل أنفسنا !!

كنت استمع لأغنية كريم سلامة «أرسطو وابن رشد» عندما قال: «إنني أشبهك، وأنت تشبهني. أصدقاء ونشكّل فريقاً رائعاً، تماماً كأرسطو وابن رشد». وفي هذه الأبيات الملحّنة إلهام عظيم، لرجلين من أعظم الرجال في فلك الفلسفة، رغم أن أرسطو وابن رشد ليسا صديقين فعلاً، حيث يفصل بينهما 16 قرناً. فلنبدأ مع أرسطو، المتوفّى عام 322 قبل الميلاد، كان تلميذاً لأفلاطون لمدة 20 سنة، ثم أسس أكاديميته الخاصة وبات معلماً للإسكندر الأكبر، وله مساهمات عظيمة في تأسيس علم المنطق، والميتافيزقيا وعلم النفس والأخلاق والسياسة والشعر، غير أن أيّاً من هذه الثروة المعرفية التي بثها أرسطو لم تكن لتنتشر في العالم لولا تدخل ابن رشد واحتواء أعماله جميعها وترجمتها وشرحها وفق أساليب عدة مثل الملخصات، أو الشروحات العامة أو الشروحات التفصيلية لذلك يُعرف ابن رشد بالشارح. ومازال الغرب ممتناً لأعمال ابن رشد في حفظ ثروة أرسطو حتى أنه تم تسمية كويكب باسمه «ابن رشد 8318» ورغم تميز ابن رشد في هذا المجال إلا أنه تميز في كونه قاضياً وطبيباً وفلكياً أيضاً. المثير للجدل في حكاية ابن رشد هو تأسيسه لنظرية توفّق ما بين الشريعة والحكمة أو الدين والفلسفة، وهذا ينسف ما جاء به الغزالي عندما حاول إثبات أن كل من يخوض في الفلسفة سينحرف عن الدين ويكفر أو يتوجه للبدعة، غير أن ابن رشد أثبت أن الدين والفلسفة كل منهما حق ، بل إن الاختلاف بينهما سيحله التفكير والتأويل والتأمل ليتم إثبات أن الاختلاف غير موجود وأنه مجرد خرافة. واستعان في إثبات ذلك بعدة آيات تثبت أن الإسلام يدعو للتفكير والتأمل والتساؤل، وهذا هو جوهر الفلسفة، مثل قوله تعالى: «فاعتبروا يا أولي الأبصار». وبهذه الآية وآيات أخرى من القرآن الكريم يستدل ابن رشد على أن الإسلام دعا لاستعمال العقل في تأمل الموجودات حولنا، واستخدام العقل لحل الخلافات والقضايا وأن الإسلام بريء كل البراءة من محاولة تجميد تفكير المسلم وتوجيه ذهنه لأفكار معينة وتضييق نطاق بصره واطلاعه. بهذا الفكر صدح ابن رشد وأخبر العالم أن الفلسفة والدين لا يختلفان، وإن كان هناك من استخدم الفلسفة لتقوده للإلحاد أو إنكار الخالق والخلق، فهذا لا يعني بالضرورة أن كل مبادئ الفلسفة تدعو لذلك، فلو مات أحدهم في حادث سيارة هذا لا يعني أن تصدر الدولة قانوناً بمنع قيادة السيارات. ورغم ذلك، لايزال بعض الناس يصاب بالهلع عندما يتكلم أحدهم بأفكار وآراء كهذه خوفاً من أنه شيئاً فشيئاً سيلحد وكأن الفلسفة تقف ضد الدين. وفي نهاية المطاف عانى ابن رشد المصير الذي يعانيه أي فيلسوف عظيم، فسقراط الذي اتهم بزعزعة نظام أثينا تم إعدامه، وأرسطو الذي حيكت حوله المكائد وبدأ الجميع يعتقد أنه ملحد هرب خشية الاضطهاد والإعدام. أما ابن رشد فقد تم إحراق جميع مؤلفاته، وتم منع دراسة العلوم كافة في قرطبة وانتهى به الحال منفياً في بلدة صغيرة تدعى أليسانه، وتوفّي عام 1198.

لقراءة الماده من المصدر انقر على الرابط التالي:-

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/fdaed1fb-d35b-48d5-939b-31772c81a6c3#sthash.XkQhDeNP.dpuf