ما الذي نربيه في طفل؟


في مشهد مؤلم حدث أمام مرأى مرتادي أحد الأسواق في دبي، توقفت أشاهد سيدة تضرب طفلها ذا الثلاثة أعوام وتوبخه بصوت مرتفع وسط ذهول الكثيرين. كان الطفل يبكي ويجول بنظره في الناس الذين ينظرون نحو المشهد الدرامي، كان واضحاً من الأم الانفعال والغضب الشديد، لذا تركتها حتى هدأت وهدأ صوتها، ثم تقدمت نحوها قائلة: ما الخطأ الجسيم الذي ارتكبه ابنك حتى تعاقبيه بكل هذه القسوة؟ في الحقيقة كنت أتوقع منها رداً قاسياً، أو مقتضباً، أو حاداً، مثل أن هذا ليس من شأنك، لكنها فاجأتني وهي تقول شاكية لي: «انظري، لقد سكب العصير على ملابسه، وسامحته، ثم سقط» الآيس كريم «مرة أخرى على ملابسه، ثم بدأ في البكاء يريد أن أشتري له شيكولاته، فقررت أن يكون بكاؤه على حق وحقيقة». تحدثت معها مطولاً في مجالات التربية، واكتشفت أننا كأمهات وآباء نترك العنان لمشاعرنا وأعصابنا بالانفلات أمام ممارسات أطفالنا لأفعال وتصرفات نعتبرها خاطئة وجسيمة جداً، رغم أن هذه الأفعال لا تأتي بتعمد وقصد، إنما مصدرها عدة جوانب منها عدم المعرفة والفهم، ومنها عدم التمكن من السيطرة على الحركة في الوقت الذي يعتبر الطفل في مثل هذه السن ذا محدودية عقلية صغيرة جداً ولا تسعفه قواه العقلية الصغيرة الناشئة في الحكم واتخاذ القرارات ولا الفهم، وحتى لو فهم بعد قليل سينسى. نحن كأمهات وآباء نغفل عن مثل هذه الجوانب، فنعامل أطفالنا وكأنهم كبار يفهمون ويستوعبون. بقي أن نسأل: ما الذي يمكن تعليمه لطفل في هذه السن؟ ما فعلته هذه الأم هو بمثابة عنف جسدي ولفظي غير مبرر مهما كان الخطأ، لأنه من الطبيعي أن لا ننتظر من طفل في هذه المرحلة العمرية المثالية في التصرفات وأن ينفذ كلامنا مائة بالمائة. فعلاً نحن نحتاج للمزيد من الدورات والورش المتخصصة في التوعية بجوانب التربية وكيفية التعامل مع الطفولة. تقول الأديبة والشاعرة الأمريكية ليديا سيغمورني: «العادات التي نكسبها للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة هي التي تحدد ما إذا كان الأطفال سيعيشون حياة الفقر أو الثراء، أو الإنتاجية أو الخمول، أو الخير أو الشر، فلنعلمهم العادات الجيدة منذ صغرهم لنضمن لهم مستقبلاً آمناً». من خلال هذه الكلمات نسأل: ما الذي نتوقعه من طفل ينشأ وهو يتعرض للعقاب البدني والزجر بمجرد كسره للعبته أو سكبه العصير على ملابسه؟ ما الذي نتوقعه من طفل تعوّد منذ نعومة أظفاره على الصراخ والضجيج وعدم التشجيع؟ كثيرة هي الدراسات والبحوث العلمية التي خرجت بنتيجة واضحة مفادها إذا أردتم لأطفالكم التميز والابتكار والإقبال على العلوم، فعليكم بالتشجيع والتحفيز، لا كسر المجاديف وتحطيم روحهم المعنوية. ولنتذكر دوما أن الطفل كالصفحة البيضاء التي يمكنك الكتابة والرسم عليها كيفما شئت فلا تضع فيها إلا الجمال والتفاؤل والأمل، لتسعد وتفتخر في المستقبل بابن متميز ناجح وعضو فاعل في المجتمع.


لقراءة المقال من المصدر اضغط هنا