«أطلس الفلسفة»... رحلة معرفية في أقدم العلوم وأكثرها إثارة


تعتبر الفلسفة من العلوم القديمة، ويقال أنها مصطلح أُطلق ليصف أنشطة الإنسان النظرية والعملية الممارسة في مختلف المجتمعات والثقافات، وهي علم يميل إلى التساؤل والتدقيق، وأطلق عليها أيضاً «التفكير في التفكير» أي أنها تعتمد على التأمل والتفكر، تشمل الفلسفة المحاولات للإجابة على تساؤلات الإنسان التي يطرحها عن الوجود والكون، مثل «ما هي الأشياء؟» و«ما هو موقع الإنسان في الوجود؟»، ومما يميز هذا الحقل العلمي بأنه لا يوجد مادة رئيسة أو مرجع أساسي لها. يعرض كتاب «أطلس الفلسفة» تاريخ الفلسفة وأبرز الفلاسفة وأهم المواضيع التي ناقشتها الفلسفة. الكتاب يعد شاملاً لمختلف العصور مما يسمح للقارئ معرفة الأنظمة الفلسفية في مختلف الحقب الزمنية، وعلى رغم أنه كُتب في شكل مكثف إلا أنه لم يتطرق إلى تفاصيل الفلسفة أو الفلاسفة، إنما ركّز على القواعد الفلسفية وأهم المدارس، يتميز أيضاً بأنه يقدم رسومات مصورة تشرح الأفكار الفلسفية. احتوى الكتاب ثمانية مواضيع رئيسة، فصول إذا صح التعبير، واندرج تحت كل واحدٍ منها مواضيع جوهرية عدة، وكانت تبدأ جميعها بنظرة عامة، وكأنها بمثابة تمهيد للقارئ غير المتخصص.

هذه الفصول هي: «الفلسفة الشرقية»، ومن خلال هذا الفصل، مر بالهند والصين والشرق القديم. و«العصور القديمة»، وتضمن ما قبل السقراطية والسفسطائية ثم سقراط وأفلاطون وأرسطو والرواقية ثم أبيقور حتى الفلسفة الانتقائية، ثم أخيراً الأفلاطونية المحدثة. وتناول الفصل الثالث «القرون الوسطى» آباء الكنيسة وأوغسطينوس والسكولائية المبكرة والعليا والمتأخرة ثم الفلسفة العربية وغيرها. وجاء الفصل الرابع بعنوان «عصر النهضة»، وخلاله قدّم العلوم الطبيعية والمذهب الإنساني والفلسفة الإيطالية وفلسفة الدولة. وهو الذي قادنا نحو الفصل الخامس «عصر التنوير»، وتحدث فيه المؤلف عن العقلانية والتجريبية وعصر التنوير الفرنسي. وخصص مؤلفو هذا المنجز العلمي الموسوعي الفصل السادس عن «المثالية الألمانية»، وضمنوه مواضيع عدة، عن نقد العقل عند كانط، وفيخته وشلنغ وهيجل. وكان من الطبيعي في هذا السياق السردي المعرفي أن يكون الفصل السابع بعنوان «القرن التاسع عشر»، لنجد شوبنهاور وكيركغارد والوضعية واليسار الهيجلي وماركس ثم الذرائعية والكانطية الجديدة، أيضاً في هذا الفصل ظهر نيتشه وديلتاي.. ثم انتهت هذه الرحلة العلمية المعرفية المهمة بالفصل الثامن والأخير، وعنوانه «القرن العشرون»، و نقرأ فيه الفلسفة عن العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والأحياء وفلسفة الحياة ثم الظاهراتية والفلسفة الوجودية والتحليلية والاجتماعية والتأويلية وهايدغر والمنطق الحديث، تحدث أيضاً عن الماركسية وفيتغنشتاين والبنيانية والنظرة النقدية والعقلانية النقدية.

بعد هذه الجولة العلمية في تاريخ العقل الإنساني وما أنتجه للبشرية، يجب التوقف مع مؤلفي هذا المنجز، إذ نجد: بيتر كونزمان، الذي درس اللاهوت والفلسفة وحاز على الدكتوراه وعلى رتبة الأستاذية، وأيضاً عمل بتدريس الفلسفة في جامعة فورزبورغ وله منشورات تتناول مواضيع الأنتربولوجيا والقرون الوسطى وفيتغنشتاين. أما المؤلف الثاني فهو فرانز بيتر بوركارد، الذي درس الفلسفة والتربية والعلوم الدينية في جامعة فورزبورغ ثم في توبنجن، وعمل أيضاً أستاذاً في جامعة فورزبورغ، وله مؤلفات حول الأنتربولوجيا والأخلاق وفلسفة الأديان. أما الرسومات المصورة التي ضمها الكتاب فقد كانت من رسم أكسل فايس، الذي حصل في فيرونا عام 1993 على جائزة تقديرية للوحاته في كتاب «أطلس الفلسفة» وهو يعمل رساماً حراً.

تكمن أهمية مثل هذا المنجز العلمي «أطلس الفلسفة» في تصديه لموضوع حيوي وهام وشاسع وكبير جداً، وهي الفلسفة عبر تاريخ البشرية، فهو يقدم للقارئ وجبة معرفية تاريخية، ولكن الأهم أنها جاءت بسهولة ومحاولة واضحة للتبسيط، وأعتقد أن الذي يريد أن يلم بهذا العلم ويكون على معرفة بتاريخه وأهم رموزه فإن هذا الكتاب هو خياره الأول. وكما جاء في التهميد: «لقد أتاحت الدهشة للإنسان قديماً، كما حديثاً أن يتفلسف...». الكتاب من منشورات المكتبة الشرقية، وهو من ترجمة الدكتور جورج كتورة، وضم 115 لوحة بيانية ملونة قام بإعدادها الفنان أكسل فايس، الكتاب من القطع الكبير وجاء في 271 صفحة وطبع عدة طبعات.