عندما يكون البطريق مرشداً

في واحدة من الورش التربوية التي حضرتها قبل فترة، ومن ضمن البرنامج التدريبي، كانت توجد فقرة عن مثال من حياتنا المعاصرة، قدمته إحدى المدربات، وحكت لنا قصتها مع ابنتها.

تقول: «أخذت ابنتي ذات الست عشرة ربيعاً تكثر من التأفف والتذمر والشكوى من تكاليف والتزامات المدرسة وأيضاً واجباتها المنزلية، التي أنظمها بينها وبين إخوتها، وعندما لمست أن ابنتي تعتبر هذه تكاليف وليست واجبات حياتية، استغللت شغفها وأبنائي الآخرين بمشاهدة الأفلام فرتبت جلسة عائلية منزلية يتم خلالها مشاهدة أحد الأفلام، قمت باختيار فيلم وثائقي عن حياة طائر البطريق سبق وتم بثه على قناة «ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي». يحكي الفيلم عن حياة شاقة مملوءة بالصبر والألم وطول الانتظار حيث يعيش البطريق في أبرد منطقة على وجه الأرض، وهو القطب الجنوبي حيث يبقى الشتاء هناك ستة شهور وتربية صغار البطاريق في بيئة قاسية وصعبة كهذه تحتاج إلى تضحية كبيرة يصعب تخيلها. تقوم البطاريق برحلة إلى المكان الذي يتم فيه اللقاء الكبير وللوصول إلى موقع التزاوج تقطع البطاريق أكثر من مئة كيلو، تسير جميعها بشكل معجز وفي هذه البقعة الجغرافية تجتمع الآلاف من البطاريق وتضع البيض. ومن هنا تبدأ صعوبات متتالية، فبعد وضع البيض بفترة قصيرة يهجم الشتاء وتنخفض درجة الحرارة إلى خمسين درجة تحت الصفر وتهب الرياح بسرعة مئة كيلو في الساعة حاملة معها الثلوج الشديدة البرودة. الشيء العجيب أن هذه الإناث تترك البيض عند الذكور وتعود إلى البحر كي تصطاد وتحاول أن تسمن نفسها لتعود لإطعام صغارها بعد أن تفقس البيض. مهمة حضن البيض توكل للذكور حيث يجتمعون بالآلاف، ويقوم كل ذكر من البطاريق بوضع البيض على قدميه ويغمرها بفروه ولو وقعت البيضة على الأرض لمات من فيها فوراً، لذلك، فالتضحية التي تقوم بها تجتاز الحدود والخيال، فهذه البطاريق لا تتغذى أبداً طوال أربعة شهور، وكل ما تستطيع فعله خلال الشتاء القارس هو الصبر والتكاتف لتوليد الحرارة فيما بينها، بعد موجة البرودة الشديدة يبدأ الربيع مرة أخرى وتبدأ البيوض تفقس وتفتح الصغار أعينها على الدنيا وما زالت على أقدام آبائها، والعجيب أن أول ما يدلف في بطن البطريق الصغير هو غذاء محفوظ في حوصلة أبيه منذ أربعة شهور، رغم أن الأب يكون في أشد الحاجة إلى الطعام، في هذه المرحلة تعود الإناث من رحلة الصيد وتجتمع العائلة وتكون حوصلة الأم مملوءة بالطعام فتبدأ بتغذية صغارها، لكن إناث البطاريق طوال رحلتها للصيد والتغذية تواجه مخاطر جسيمة حيث تترصدها الفقمة وتقع البعض منها فريسة لأنيابها، وبمجرد عودة الإناث بعد هذه المغامرة تهرع ذكور البطاريق للبحر للغذاء، وبعد أن تشبع تعود لمشاركة الأم تربية صغار البطريق، كان الفيلم مؤثراً وبليغاً جداً، عندما انتهى، كانت رسالتي قد وصلت لابنتي وأيضاً لأخوتها عن معنى صعوبات الحياة الحقيقية». وبحق فإن مثل هذه الأم أحسنت في تقديم مثل هذا الدرس، فهي أولاً استغلت الشغف وحب الأطفال والمراهقين للأفلام، فدخلت من الباب الذي يرغبون فيه ويحبونه، وكان بمثابة درس بليغ لهذه الفتاة المراهقة حول قسوة الحياة الحقيقية، فهناك من يقاوم القسوة من أجل البقاء وليس من أجل الترف. أعتقد أن تلك الأم نظرت نحو ابنتها وجميع أبنائها ومن غير أن تتفوه بأي كلمة لكن لسان حالها يردد مقولة غاندي الشهيرة: «أوقية من الخبرة تساوي أكثر من طن من الوعظ»، وأعتقد أن هذه الأم وبذكائها التربوي قدمت لأطفالها أكثر من أوقية من الخبرة في هذه الحياة، وهو الأمر الذي يجب علينا نحن أيضاً أن نتبعه مع أطفالنا.

لقراءة الماده من المصدر انقر على الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/4ba0b795787e-4d92-ae00-af04f863bc0a#sthash.cTXZ1JJv.dpuf