تنين في حفرة الحياة

في حياتنا نتعرض لكم من الضغوطات والأعمال المتتالية، التي تغرقنا في بحر من العمل والهم، وفي أحيان أخرى نتعرض لمشكلة واحدة، لكنها مزعجة بما فيه الكفاية لتسوّد أوقاتنا. يتوازى مع هذه المعضلات ما نتعرض إليه من الملهيات التي تشتت تركيزنا لحل مشاكلنا، وفي الغالب تنجح هذه الملهيات في جعلنا نتشبث بها هاربين من المسؤولية ومأخوذين نحو عالم من السلام والهدوء. الأمر يشبه حال الطالب الذي يتجاهل فروضه المدرسية ويراكمها بسبب انشغاله بألعاب الفيديو أو التنزه مع أصحابه، لكن على مستوى الأعمال تصبح هذه الملهيات ذات قيمة أكبر مثل أخذ إجازة مرضية، رغم أنك لست مريضاً، تهرباً من مدير سيء، أو الدخول في موجة من الإحباط الذي يتلو جهداً مضنياً من العمل، وعلى إثره نما بداخلك إحساس اللامبالاة بالعمل والتجاهل، وبت منشغلاً بالرحلات واللقاءات والمناسبات.

عندما تتأجج المشاكل يصبح للحياة قيمة أكثر وتصبح الملهيات مشعة أكثر، الموسيقى رنانة أكثر ودور السينما، جذابة بشكل كبير، ويتضخم في أعماقنا الحس الاجتماعي وتلبية الدعوات والمناسبات غير المهمة، هذا كله فقط لنهرب من مشاكلنا ظناً منا أنها غير قابلة للحل أو أنها عبء فوق طاقتنا، ونرفض التفكير فيها ولو لساعة. ولو أمهلنا أنفسنا بعضاً من الوقت لأدركنا أن هذا التجاهل وانصراف التركيز عن إيجاد حلول للمعضلات يجعلانها أسوأ ويعقّدانها أكثر.

في فن الإدارة يُعد تشتت التركيز وانصراف الذهن عن تحقيق الهدف من أخطر الأخطاء الفادحة ذات العواقب الوخيمة، ويقول تي. جي. هويسينجتون، مؤلف كتاب «قوة التفكير»: «إن أحد الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء عدم قدرة الأفراد على تحقيق ما يرغبون فيه هو أنهم يفقدون التركيز على أهم هدف بالنسبة لهم».

وذكر أحد المتخصصين أن «العديد منا لا يدرك قدرته على تحقيق التفوق بسبب أننا نهتم بأنشطة ثانوية، إننا نتخذ قراراً بالسعي إلى تحقيق هدف معين، وقبل أن نعرفه نبدأ في التضخيم من أهمية الأشياء الصغيرة». وهذا ينطبق أيضاً علينا عندما نواجه معضلة ما، حيث نبدأ بالتفكير لإيجاد حل لها وسرعان ما تبدأ الملهيات تتراقص حولنا، ولأن الحاجة النفسية للراحة والأمان هي أكثر ما نرجوه وسط حالة القلق التي تعترينا، فإننا ننغمس ونندمج باللهو حتى تسوء الأمور أكثر فأكثر. إن تحقيق هدف ما يتطلب التضحية والتركيز أيضاً، ومما جاء أيضاً في كتاب «قانون التفكير»: «ربما يأتي الوقت الذي تحتاج فيه إلى تقديم بعض التضحيات ففي حالة أن اللهو ليلاً يستنفد جز

ءاً كبيراً من وقتك ويشغلك عن تنفيذ الأشياء المهمة فإنه عليك الانصراف عن ذلك، إن الانهماك في القيام بعدة أنشطة وأدوار يمكن أن يستنفد الوقت والطاقة اللازمين لتحقيق البراعة في مهنتك». وهذا يذكرني بقصة جاءت في كتاب «كليلة ودمنة» لابن المقفع حيث إن رجلاً سقط بحفرة وتشبث بغصن، وكان هناك تنين في جوف الحفرة مستعد لالتهام هذا الرجل في حال أفلت الغصن، وبالمقابل فإن فأرين خرجا ليقرضا هذا الغصن. ورغم أن الرجل كان في كرب عظيم يهدد حياته إلّا أنه لمح خلية نحل فالتقطها، وبدأ يأكل العسل ويتلذذ بحلاوته، منصرفاً عن التفكير بإنقاذ نفسه من الموت المحتم، وبالفعل قرضت الفئران الغصن، وانتهى به الحال في معدة التنين.


لعل هذه القصة تخبرنا بشكل رمزي عن حالنا في هذه الدنيا، إذا ما استجبنا للملهيات وانصرفنا عن ترتيب أولوياتنا، وتنظيم أحوالنا الاجتماعية والمالية والأُسرية والمهنية، فلا أحد يريد أن ينتهي في معدة تنين الحياة.


لقراءة المقال من المصدر اضغط هنا