كتاب وداعاُ بابل.. رحلة في عقول شغوفة بتعلم اللغات

اختلاف الأمم في العالم هو معجزة تستلزم التأمل والتفكر، ومن الأمور الغريبة التي تميزنا بها هي اختلاف لغاتنا، ففي عصرنا هذا هناك ما يزيد عن ثلاثة آلاف لغة يتكلم بها البشر، ومنها مائة لغة يتحدّث بها أكثر من مليون شخص، ومن هذه المائة لغة هناك تسع عشرة لغة يتحدّث بها ما يزيد عن خمسين مليون نسمة، مما يجعلنا نتساءل على أي أساس اختلفت؟ ولماذا وكيف نشأت أصلاً؟ من الذي اختار للأشياء أسمائها؟ من النظريات التي حاولت تفسير هذا الغموض، القول بأن اللغات نشأت مع إنسان الغابة، إذ كان يحفر على الأحجار رموزاً و كل رمز يعبر عن شيء معين، فكل من يشاهد ذلك الرمز من جماعته يفهم الشيء الذي يري الطرف الآخر قوله، و تعددت النظريات التاريخية و الأقوال و الأساطير و الخرافات.

و من الناحية النفسية عرّف علماء النفس اللّغة، فرأوا أنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور، أي عن حالات الإنسان الفكرية والعاطفية والإرادية، أو أنها الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أية صورة أو فكرةٍ ذهنيةٍ إلى أجزائها أو خصائصها، والتي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرّة أخرى بأذهاننا وأذهان غيرنا، وذلك بتأليف كلماتٍ و وضعها في ترتيبٍ خاصٍ، ولمعرفة كيف ظهرت اللغات المختلفة وكيف تعددت، فإن هناك علماء عكفوا على دراسة هذه الظاهرة، وخصّصوا علماً خاصّاُ فقط بدراسة اللغات ونشأتها، وهو علم "الفيلوجيا "، وعّرف علم الفيلوجيا اللغات بأنّها أصوات يعبّر عنها كل مجموعة وكل جيل من الناس عمّا يدور حولهم وما يجول في وجدانهم، وهي الكلام الذي يشير إلى المصطلحات التي اتفق عليها قوم ما فيما بينهم للتعبير عن شيء ما.

يقودنا هذا إلى كتاب هام في مجال العلوم الإنسانية حمل عنوان: "وداعاً بابل" من تأليف "مايكل ايرارد"، الذي يسر فيه تفاصيل رحلته حول العالم ليلتقي بالذين يطلق عليهم "معاجم متحركة" ويكشف الوسائل التي استخدموها في تعلم هذه الطائفة الكبيرة من اللغات، قسم المؤلف كتابه إلى خمسة أقسام، القسم الأول "تساؤل في متاهة الكاردينال" الذي يحتوي بدوره أربعة فصول، وجاء القسم الثاني بعنوان "الاقتراب اقتفاء أثر متعددي اللغات المفرطين" ويحتوي خمسة فصول، أما القسم الثالث فهو "الكشف همسات الدماغ" ويحتوي أيضاً خمسة فصول، بينما حمل القسم الرابع عنوان "الإسهاب أدمغة بابل" واحتوى على ثلاثة فصول، وكان القسم الخامس والأخير هو "الوصول متعددوا اللغات المفرطون في الفلانررز" ويحتوي على فصلين.

يبحث "ايرارد" في حدود مقدرة الانسان على تعلم العديد من اللغات، لم يكتفي بذلك بل أيضاً سافر عائداً إلى الوراء عبر التاريخ، فقال: "عندما بدأت الكتابة، كان كل ما بحوزتي قصصاً مثيرة تناقلتها الشعوب عبر القرون، عن اناس ذوي مواهب لغوية مذهلة، أغلب هذه القصص كانت أساطير غير موثوق بها ومع ذلك فهي تخبئ داخلها بذوراً من الحقيقة التي تخضع للاكتشاف والتقييم والاختبار التي بدورها تقود إلى اكتشافات أكثر".

من الجميل أن هذا المنجز قدم للقارئ دراسة نفسية اجتماعية بيولوجية وتاريخية عن حركة تعلم اللغات حول العالم تحدثاً وكتابة، ولم يجانب الصواب المؤلف عندما تحدث عن مؤلفه بالقول: "وداعاً بابل، هو حكاية بحثي عن أجوبة رصينة للكثير من التساؤلات، قررت أن أكتبه بفضول المغامر فضلاً عن تدوين الباحث، باحثاً عن حرية التحرك عبر الحدود الفكرية، لسبب بسيط وهو أن هذه الرحلة مستمرة بلا نهايات قدرية".

و لا عجب أن يصبح هذا الكتاب من الكتب المذهلة و المشوقة، فقد حصل "ايرارد" على منحة "دوبي بايسانو" عام ٢٠٠٨ المتضمنة إقامة في إحدى مزارع تكساس، من أجل البدء في تأليف "وداعاً بابل".

شيماء المرزوقي

Shaima.author@hotmail.com

www.shaimaalmarzooqi.com