رواية زئبق :


غلاف زئبق.PNG

هل من المعقول أن يقوم أي إنسان بوضع القيد في عنقه، ثم يحكم ربطه وشده؟ هل يمكن لأي إنسان أن يضحى بحريته تحت أي سبب دون مقاومة؟ بل برضا تام، بين يدي رواية حملت عنوان: "زئبق" للكاتبة "ايميلي نوثمب" تدور أحداثها حول هذا المحور وإن بإختلاف بسيط، تعتبر الممرضة "فرانسواز" هي البطلة ومحور أحداث الرواية التي بدأت عند إرسلها إلى جزيرة وتورطها في علاج فتاة تدعى "هازيل" محتجزة برفقة عجوز في تلك الجزيرة المعزولة، جعلها تعيش في وهم أنها مشوهة لحد لا يمكنها أن تخالط الناس، وانقضى من عمر الفتاة سنوات عجاف لم تقابل الناس، بل منعت من مشاهدة نفسها بالمرأة، ولم تحتوي تلك القلعة لتي عاشت بها على أي مادة عاكسة كي لا ترى وجهها، لم تحتمل الممرضة "فرانسواز" تلك الأحداث التي تحصل في الجزيرة، و قادتها غريزتها الإنسانية إلى محاولة إنقاذ الفتاة "هازيل" من هذا الأسر، لكن الأسر الحقيقي كان في عقل هازيل التي ترفض تحطيم القيود وتصر على العيش في سجنها، تسرد لنا "نوثمب" العلاقة الإنسانية النبيلة التي نشأت بين الفتاة والممرضة، أعجبني في هذه الرواية أنها جعلت المرأة التي غالباً تكون العنصر الأضعف الذي يتم إنقاذه، بأنها أصبحت هي البطل والمنقذ، وقد كانت الرواية مهيأة بشكل كبير لتصبح رواية رومانسية لو أنها جعلت الممرضة رجلاً، لكن كونها امرأة جعلتها رواية ذات مبدأ ورسالة أعمق، واقتبس من الرواية حوار بين فرانسواز و هازيل: "هازيل: لا يمكنني أن أكون شيئاً من دونه. - تقصد العجوز الذي حبسها-

فرانسواز: تقولين ذلك بسبب الثروة التي سيمنحك إياها؟ هذا أقل تعويض يمكن أن يقدمه لك.

هازيل: كلا! أفكر في أشياء لا تقدر بثمن أعطاني إياها.

فرانسواز بسخرية: أجل، السجن، الاغتصاب اليومي، الخسة".

ويمكن أن نستفيد من أن أعظم سجون الإنسان وأشرسها وأكثرها فتكاً هي تلك التي يصنعها لنفسه في مخيلته وأوهامه هي تلك الحدود التي يقيد بها نفسه دون مبرر، لكن هناك نقطتين سلبيتين، الأولى هي أن الرواية كانت قائمة بشكل شبه كامل على الحوارات، فالحوارات أكثر من الأحداث - وأقول هذا وأنا أدرك أن البعض قد يجد أن الحوارات ممتعة أكثر من الأحداث وأن هذه النقطة ليست سلبية على الإطلاق- ثانياً قامت الكاتبة بارتكاب خطأ جسيم وهو أنها احتارت كيف تختم الرواية فكتبت خاتمتين ووضعتهما كلتاهما، وفي اعتقادي أن هذا اختراق واضح لقواعد العمل الإبداعي والروايات تحديداً فالكاتب وحده من يختار مسيرة الرواية ونهاية الشخصيات ولا يقدم أي خيارات للقارئ، إلا في حالة النهايات المفتوحة و النصوص المبهمة، هذه هي الرواية.