درس لا ينسى


درس.png

ذهبت لزيارة إحدى صديقاتي، ودخلت إلى المجلس والدتها كي تسلّم علينا، وهي امرأة كبيرة بالسن، لكن نشاطها وحيويتها وهي ترحب بنا وتبادلنا الأحاديث لايوحيان بذلك أبداً، بل إن تصرفاتها كانت تنُم عن أنها في مقتبل حياتها، وهي أيضاً لا تصبغ شعرها الأبيض ولا تخجل من عمرها. جلست معنا نحو ربع الساعة فقط، لكنها، بطريقةٍ غير مباشرة، علمتني الكثير، ذكرت أنها تحب الضيوف والمناسبات واللقاءات بالناس، لذلك كثيراً ما تذهب إلى المناسبات الاجتماعية وتشارك فيها، حيث كوّنت الكثير من الصداقات، حتى مع نساء من خارج البلاد. قالت لنا خاتمةً حديثها: «أنا أحب الناس والناس يحبونني».

قدت سيارتي عائدةً إلى المنزل وهذه الجملة تشغل تفكيري، تذكّرت كل المناسبات التي كنا نحضرها وكانت تغطيها الرسميات وبعض من المثالية الزائفة أو المجاملات غير المبررة، ومن المؤسف أن كمية «التمظهر» والاستعراض تكون في ذروة نشاطها حين تقام مثل هذه المناسبات، بل إن اجتماعاتنا نفسها لم تعد تعقد بسبب الحب والاشتياق وصلة الرحم، بل لأجل المظاهرة بالولائم والخدم والحشم... إلخ، حتى بات من الملاحظ أن بعضاً من الآباء والأمهات يستعرضون بأبنائهم، فتشاهد الطفل الذي لم يتجاوز السادسة من عمره يقلّب بين يديه مسبحة «سبحة» ويلقي قصائداً، وابنة الستة أعوام تبدو وكأنها في السادسة عشرة أو أكبر وقد أغرقت عينيها بالكحل وشفتيها بالطلاء، بل حتى في أحاديثنا هناك من يمسك كما نقول «الميكروفون» مستعرضاً سفرياته ورحلاته وإنجازاته.

هذه المناسبات أشبه بالدخول إلى ميدان حرب للمظاهر وليس ميداناً للحب، تذكرت أغنية فيلم كرتوني قديم تقول «من أجل الناس الناس الناس..من أجل الخير لكل الناس» وكنت أستبدلها وأقول «من أجل الابتعاد عن كل الناس»، لكني الآن سأعود لتكرار الكلمات الأصلية وستصبح شعاري في الحياة. أعرف أن الحب مشاعرٌ نبيلةٌ يستحقها كل الناس، ويجب أن ننبذ كل ما قد يسبب أية حساسية أو عقد، وإذا كنا حقاً نريد مناسبات جميلة تغطيها مشاعر من الحب، فيجب أن نبادر نحن أولاً بذلك، وكما يقال: ابدأ بنفسك أولاً.

ولنتذكر الكلمة البليغة للدكتورة آنا فرويد، التي تعد من أوائل مؤسسي التحليل النفسي للطفل، وهي: «كيف يمكن لأحدهم أن يعرف كل شيء عن كل الناس»؟


لقراءة المقال من المصدر اضغط الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/40229a34-15e2-4e6b-9ae4-57f209242765