ريدلي يلقي الضوء على جهود العلماء في المختبرات


ناك الكثير من الأسئلة التي يعمل العلماء على محاولة تقديم إجابات جوهرية وواضحة لها، وهي تتعلق بالإنسان وطبيعته ومكوناته وأسرار العقل والجسد. وأخذ علم الوراثة على نفسه تحمل هذا الجانب الجوهري الكبير من حياة المخلوقات بشكل عام والإنسان بشكل خاص، ونجح في حقول وأخفق في حقول أخرى، لكن الجهد متواصل وطموح العلماء لا حدود له.

بين يدي كتاب يرصد هذه المسيرة العلمية بأسلوب شيق وسهل ومبسط وغير مخل، عنوانه: «الجينوم، قصة حياة الجنس البشري في ثلاثة وعشرين فصلاً». وهو من تأليف مات ريدلي، الرئيس المؤسس لمجمع بحث علمي ومركز تعليمي بتكلفة 70 مليون جنيه إسترليني مخصص لأبحاث علم الوراثة، واسمه المركز الدولي للحياة، في نيوكاسل. وهو أيضاً يكتب في صحيفتي «ديلي تليجراف» و«صنداي تليجراف»، وألف عدداً من الكتب عن العلوم المبسطة لاقت استحساناً كبيراً ومن بينها «الملكة الحمراء»، و«الجنس البشري وتطور الطبيعة البشرية»، و«الجيني الرشيق»، و«أصل الفضيلة».

في كتاب «الجينوم، قصة حياة الجنس البشري في ثلاثة وعشرين فصلاً» جاءت المقدمة لتوضح ما الذي يتكون منه الجينوم البشري ويقصد المجموعة الكاملة من الجينات البشرية وهي 23 زوجاً منفصلاً من الكروموسومات. ووزع مواضيع الكتاب وفق عنوان لكل واحد من هذه الكروموسومات ومنها: الحياة، والنوع، والتاريخ، والمصير، والبيئة، والذكاء، والغريزة، والصراع، والأنانية، والمرض، والتوتر، والشخصية، والتجميع الذاتي، وما قبل التاريخ، والخلود، والجنس، والذاكرة، والموت، والعلاج، والوقاية، والسياسة، واليوجينيا، والإرادة الحرة.

وكانت محاولة تبسيط المصطلحات العلمية للقراء شغل المؤلف الشاغل وأولاها الاهتمام الكبير، ولعل هذا هو سر الانتشار الواسع لكتابه في العالم، وترجمته للكثير من اللغات، فهو نفسه يقول في المقدمة: التهميد هو مقدمة تعريفية مختصرة أشبه بقاموس للمصطلحات مصوغ صياغة سردية عن موضوع الجينات وكيفية عملها. وإنني لآمل أن يلقي القارئ نظرة سريعة عليه في البداية، ثم يعود إليه من وقت لآخر إن حدث وقابل مصطلحات متخصصة غير مشروحة، فعلم الوراثة الحديث أشبه بأيكة هائلة متشابكة الأغصان من المصطلحات المتخصصة، وقد حاولت قدر جهدي أن أستخدم أقل قدر من المصطلحات الفنية في هذا الكتاب.

وأعتقد أن أهمية هذا الكتاب عظيمة جداً، ولعلها تكمن في الموضوع الكبير المهم الذي يطرحه، فعلم الوراثة، وتحديداً الجينات، بالغ الخطورة وله أثر في البشرية بأسرها، ولم يتم الإلمام به بشكل تام وقد يستحيل أن نكون على معرفة بكل جوانبه. ويكفي أن نطلع على ما قاله المؤلف في ثنايا الكتاب لنعرف الحجم الهائل من هذا العلم، إذ يقول: «هناك مليار كلمة في كتاب الجينوم، وهو ما يجعل حجمه أكبر من حجم هذا الكتاب بخمسة آلاف مرة، ولو قرأت عليك الجينوم البشري بمعدل كلمة واحدة في الثانية مدة ثماني ساعات يومياً، فسأحتاج إلى قرن كامل حتى أنتهي منه، ولو كتبت الجينوم البشري، بحيث يحتل كل حرف منه مساحة ملليمتر، فسيكون النص الناتج بطول نهر الدانوب. إنها وثيقة هائلة الحجم، كتاب ضخم، وصفة مفرطة الطول، وكلها موجودة داخل نواة ميكروسكوبية الحجم الموجودة بخلية دقيقة أصغر حجماً من رأس الدبوس».

الكتاب جاء في 421 صفحة من القطع الكبير، وهو من منشورات هنداوي وكلمات للترجمة والنشر.ويختم المؤلف مات ريدلي منجزه بقوله: «يدور العلم في فلك من الغموض، فهو يكشف عن ألغاز جديدة بنفس السرعة التي يحل بها بعض الألغاز المعروفة، غير أن أحداً لم يتعرض بعد للكم الهائل من العجائب التي يخفيها الجينوم البشري داخل نصه المكون من مليار كلمة»