التراث بوصلة المستقبل


قد يستغرب البعض عندما نقول إن هناك علاقة مستمرة ووثيقة بين التراث والمستقبل، ومثار مثل هذا الاستغراب قد يكون مبرراً أو مقبولاً، ذلك أن هناك من يعتبر التراث ماضياً يتعاكس بشكل تام مع الاستمرار والتقدم مع المستقبل . الحقيقة أننا لو أمعنا النظر بدقة سنجد أن هناك ترابطاً وتلاحماً بين الحالتين أقصد بين التراث الإنساني على مختلف أنواعه وبين النظر نحو المستقبل والبناء وكل محاولات التقدم . لعل أوضح صور مثل هذا الالتقاء تكمن في العلاقة المتتابعة المتصلة بين التراث والمعاصرة، هذه العلاقة التي ليست موجزة أو محدودة أو تختص بجانب حياتي دون الجوانب الأخرى . لذا لا يمكن لأي عقلية إنسانية أن تتصور العالم من دون ماض ومن دون أثر لكل المنتج الإنساني الذي تم على أيدي الآباء والأجداد والذي انعكس على الحاضر وسيكون له انعكاس أكبر على المستقبل . أقول إنه لا يمكن تجاهل هذا الأثر، وكلما امتد التاريخ كلما ظهر لنا عمق هذا التراث وأصالته ومدى ما قدمه للإنسانية قاطبة من خدمة جليلة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها . ذلك أن جميع مبتكرات الإنسان ومخترعاته لم تولد كاملة، ولم تصلنا وفق شكلها التام وما هي عليه اليوم، بل إنها مرت بسلسلة من التجارب والخبرات من الماضي، منذ أن كانت فكرة وتحولت على الورق ثم البدء في تنفيذها بشكل بدائي ومرورها بسلسلة من التجارب حتى وصلتنا بما هي عليه من التميز . هذه ببساطة متناهية واحدة من خيرات حفظ التراث، لكن هناك أعمق وأكبر من مثل هذا المثال وهي القيم والمبادئ المتوارثة من الأجداد، هي كل الأصالة والعمق الضارب في روحنا وذاكرتنا ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا من خبرات حياتية ومن قيم ونظرة وتصرف وتعامل في كثير من أمور الحياة . بين أيدينا تراث إنساني عميق عن كيفية التعامل مع صنوف مختلفة من عقبات وتحديات الحياة .

وأستحضر في هذا السياق كلمات خالدة للوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله رحمة واسعة، حيث قال: "إن العلم والتاريخ يسيران جنباً إلى جنب، فبالعلم يستطيع الإنسان أن يسطر تاريخه ويحفظه للأجيال ليطلعوا عليه ويعرفوا ما قام به الأجداد والآباء" . وبالفعل فإن تراثنا تراث إنساني عميق محمل بمعان كثيرة يجب الإلمام بها وصونها ودراستها، ومرة أخرى أستحضر كلمات لهذا القائد الفذ العظيم الوالد الشيخ زايد، رحمه الله عندما قال: "إن الإلمام بهذه الحقائق لا يتم إلا عبر قراءة واستيعاب تاريخ آبائنا وأجدادنا على أرض الوطن، إن إمكانيات الاطلاع متوفرة الآن لكل راغب من الشباب" . وهذا هو المطلوب: الاطلاع على هذا الكنز المعرفي، فبواسطة تراثنا يمكن معرفة بوصلة المستقبل وأين نسير .

لمشاهدة المادة من المصدر أضغط على الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/065cb548-8121-4011-b367-fa7469628cb9