هند حسين بين حنين الماضي وعذوبة المستقبل



دبي - شيماء المرزوقي: تتعدد الأساليب الروائية، وهناك تنوع في الكتابة الروائية، ويدفع بمثل هذه المحاولات للأمام كل هذا الزخم الذي تجده الكتابة الروائية والتأليف في هذا الحقل الأدبي المهم . يحاول مؤلفو الرواية العربية الابتكار والتميز، محاولاتهم شاملة وعامة، فهي تتناول التفرد في الفكرة وطريقة الكتابة والسرد والحبكة والحوار، وغيرها كثير . . بين أيدينا عمل روائي يحمل ملامح هذه المحاولات المستميتة، إذ قدمت لنا الروائية هند حسين في عملها: "الحنين إلى الماضي أم عذوبة المستقبل؟" . ملامح قوية نحو السعي إلى الكتابة الروائية بشكل مغاير عما هو متعارف عليه . انتهجت المؤلفة طريقة مغايرة لما عرف عن الكتابة الروائية السائدة والمسلم بها، وهذا من وجهة نظري ليس بالأمر السّيئ، وإن كان بعض من النقاد يعتبرونه تجديفاً ضد المنجز الروائي، إلا أن المؤلفة، وكما يظهر، كان همها الأول والأخير القارئ، وأن يصل لمنجزها، ولم تراهن على النقاد، الذين ينظرون في كثير من الأحيان نحو النص نظرة تشريحية بعيدة عن دفء الكلمة ومحتواه النص الذي يكون مؤثراً وفيه عمق . . لماذا أقول إن المؤلفة، وضعت نصاً روائياً مغايراً ومختلفاً عما هو سائد؟ لأننا عندما نذهب إلى رحلة في عمق هذا المنجز سنجد ملامح هذا الاختلاف واضحة، إذ بدأت بما يشبه التمهيد وكأنها تقوم بمهمة أخذ القارئ إلى رحلة لتصفي له الذهن للدخول في أجواء الرواية، حيث تقول في مستهلها: "ما هي حياتنا غير ماضٍ عشناه، وحاضر نعيشه، ومستقبل سنحياه" حتى تصل للقول: "نسائي مررن بلحظات وأيام لا يعرفن أية بذرة تطغى على الأخرى، هل هي بذور الماضي أم الحاضر الذي يعشنه؟ ليعرفن من يرغبن أن تكون الطاغية" . ثم تبدأ النص تحت عنوان: "عشتار"، ومن بعده تقرأ عدة عناوين فرعية، أين أنا؟ ومن أنا؟، الانتقام . . أم حياتي، الخروج من الجسد، الطريق إلى . .، من دفتري الصغير، الاستقلالية . ثم تنقلنا إلى عنوان رئيسي ثان: "سلوى" لكن في نص سلوى نلاحظ طريقة أخرى مختلفة في السرد، حيث تعتمد على الحبكة الذاتية عبر سرد عميق فيه بوح عن قصة حب بين سلوى وعثمان، استغرقت من المؤلف أكثر من خمسين صفحة من الرواية، إذاً نحن أمام رواية داخل أخرى، وإن كانت نوفيلا، (رواية قصيرة) ثم تنقلنا لنص ثالث تحت عنوان: "ليال" ومنه تتفرع عدة نصوص أخرى مثل السفر، ليال بنت المدينة، الرجال على أصناف، الحب الحب . كقراء لن نشعر بمثل هذا التوزيع، فبمهارة تمكنت الروائية هند حسين من أن تجمع هذه النصوص بين دفتي منجزها لتظهر لنا رواية مكتملة الأركان، لكنك إن وزعتها فأنت أمام عدة أجناس أدبية أخرى مثل القصة القصيرة، ومثل ما عرفت بالنوفيلا . الجميل أن هذا التنوع الشكلي في منجز الروائية، لم يكن على حساب القصة والحبكة، ولم يكن توجهها نحو التحديث في شكل الرواية ترفاً أو محاولة لاستعراض القدرة السردية لديها وقوة الربط بين نصوصها، بل إنها نجحت تماماً لأن نصوصها كانت غارقة في الإنسانية، والصدق والشفافية، لا يملك القارئ إلا التعاطف مع شخوص هذا العمل، وأن يقدر عالياً كل هذا الجهد في السرد الحزين المحمل بالأمل وبمشاهد من السعي الأزلي للإنسان لإيجاد الحب والاطمئنان والسعادة .