ثلاثون عاماً من الامتنان

قمت بزيارة صديقتي التي كانت ترقد على الفراش الأبيض بسبب ما كانت تعانيه من عدة أعراض منها الحمى وارتفاع في درجة حرارتها، لقد آلمني وضعها جداً، كانت ممددة وقد فقدت الكثير من وزنها واصفر وجهها، بقيت بجانبها نحو ثلاث ساعات شاهدتها خلال هذه الفترة الزمنية القليلة وهي تبكي بمرارة وبشكل متواصل . كل الذي استدعته في ذاكرتها والحمى تضغط على عقلها وقلبها حكاياتها مع جدتها التي وصفت وفاتها بأنها "توفيت بصمت" قالت: "لقد قضيت بعضاً من طفولتي في القرية بالقرب منها، وتلك الأيام التي أمضيتها معها كانت تستيقظ خلالها قبل العصافير، قبل شروق الشمس لتجهز الفطور لأحفادها، تقطف الثمار من الأشجار مباشرة، وتستخلص العسل من بطون النحل، وتصنع الخبز بنفسها، وحين ننتهي من الفطور وننطلق للعب تبدأ بتحضير الغداء، وتبقى في خدمتنا طيلة وجودنا عندها، وحينما تنتهي إجازتنا ونعود إلى المدينة، تودعنا وهي تذرف الكثير من الدموع، وتكمل حياتها وحدها" . نظرت نحوي صديقتي بوجهها الشاحب وهي تقول: "عندما كنت أمرض أو أي من إخوتي، كانت تفعل المستحيل لتوفير الأعشاب التي يمكنها أن تعالجنا، كانت مستعدة لدفع حياتها ثمناً لابتسامة صغيرة على محيانا لتشاهدنا سعداء" . ثم تغطي هذه الصديقة حالة من البكاء، تقطعها كلماتها وهي تقول: "لكننا تركناها تموت بصمت وبوحدتها المعتادة، مضي الآن نحو ثلاثين عاماً على آخر مرة لسماعي صوتها أو مشاهدتي لها وهي تبتسم، إن الشيء الذي لم تعرفه جدتي إلا في أيامها الأخيرة أن التراب قد يكون أكثر وفاء منا" . لماذا هذه الصديقة تستدعي ذكرياتها مع جدتها في تلك اللحظات بالتحديد؟ السبب ببساطة متناهية هو المرض، وأيضاً الوقت الذي جلسته مع نفسها وهي في صراع مع الحمى، لقد أدركت في تلك اللحظات حاجة الإنسان لمن يقف معه في الشدائد والمحن، الحاجة لأن نشعر بأن هناك أناساً يحبوننا ومستعدين لبذل الغالي والنفيس من أجلنا، أنا متأكدة أن صديقتي الآن أدركت معنى الوفاء، ومعنى الحب، ومعنى الشعور الطيب بالحنان والطيبة، شعور صديقتي بالمرض ولديها متسع من الوقت لتفكر جعلها تعود بالذاكرة للوراء نحو أيام الجدة الحنون . اليوم وبعد هذه السنوات تؤنب نفسها وبشدة، رغم أنني أدرك بأنها في تلك الأعوام كانت صغيرة، ولا يوجد ما تفعله من أجل الجدة، فلم تكن قد تجاوزت الرابعة عشر من عمرها، لكن كلماتها الحزينة، جعلتني أفكر بشكل عام وأتساءل: لماذا لا ندرك قيمة الأشياء التي حولنا إلا عندما نفقدها؟ قصة صديقتي قصة مكررة قرأتها بشكل مختلف في المنتديات وسمعتها في أكثر من مجلس من مجالسنا، لماذا لا نتذكر إلا عندما تلهبنا حرارة الندم، وتلفحنا أوقات الوحدة؟ يجب أن نستيقظ وأن نتوقف عن الانشغال بروتين الحياة قليلاً، ونتأمل الأوجه التي اعتدنا وجودها وتعودنا على حبها، والتي قد لا تكون بيننا غداً، قل شكراً . قبل فوات الأوان، عبِّر دوماً عن الامتنان لكل الناس من دون تمييز، خاصة من تعود على خدمتك من دون مقابل، أكثر من كلمات العرفان والمديح، أخبره أنك تحبه، وأنك تقدر صنيعه، لأنني متأكدة بأنه سيأتي يوم تتمنى فيه أن تقول كلمة امتنان وأن ترى ابتسامته . ولتلك الصديقة والكثيرين أمثالها، أقول ادعي الله لجدتك بالرحمة ومكافأتها على كل جميل قدمته، ولعل هذا هو التعبير الكبير عن حبك لها . .


--------------------------------------------------- -

لقراءة المادة من المصدر اضغط الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/09cc37d2-4c34-41e7-88c1-8cabd5216232