الآداب والفنون ومفاهيمنا للعلاج



بين طيات أذهاننا فكرة عميقة عن الفنون والآداب والمجالات التي تتطلب الإبداع، نعتقد أنها حكر على أصحاب الأذهان الصافية والنفسيات الهادئة، ودوماً ما يتمثل لنا الرسام أو الكاتب في صورة رجل راق وهادئ بابتسامة خفيفة على محياه المنشرح، لكن هذه الفكرة ليست بالضرورة تعكس الواقع الحقيقي . خلال الفترة ما بين 2001 و 2014 أُصيب نحو 230 ألف فرد من الجنود الأمريكيين بما يُدعى بالإصابة الدماغية الرضية الخفيفة التي تعود أسبابها في الأغلب إلى التعرض لقوة التفجيرات، هذا ما أعلنت عنه وزارة الدفاع الأمريكية . أعراض هذه الإصابة الدماغية تتفاوت ما بين صداع الرأس، ونوبات الصرع، والاضطرابات الحركية، واضطرابات النوم، واضطرابات البصر، وطنين الإذن، تقلبات المزاج، وصعوبات الإدراك والتذكر والكلام . هذا ما يعانيه عدد مهول من الجنود الذين كانوا عرضة للتفجيرات في العراق وأفغانستان، والمؤلم أنه لا توجد طرق معينة للوقاية من التفجيرات بل حتى إن وسائل التشخيص الدقيق غير متوفرة مما يدفع خيار العلاج بعيداً عن المنال . إن الإصابة في ميدان الحرب قد لا تكون دموية دائماً، بل في أحيان تكون ذهنية، فترددات الانفجار وتغيرات مستوى الضغط والدفع على جسم الإنسان واستنشاق كل هذه المواد السامة المنتشرة في الجوّ تؤثر بطريقة أو أخرى في الدماغ محدثة ما يُعرف بالإصابة الدماغية الرضية الخفيفة . كثير من الجنود دخلوا في دوامات من الجحيم لأنهم يبدون سليمين ظاهرياً، لكن أعراض الإصابة العصبية تمنعهم من العيش بطريقة صحية وسليمة وتدفعهم للجنون . والآن ما علاقة هذا المرض أو الإصابة العصبية بما قلته في مقدمة المقال عن الفكرة التقليدية حول الآداب والفنون؟ إن العلاقة تكمن عندما يتفلّت الفن من بين أيدي الفنانين والموهوبين أصحاب الأذهان الهادئة والأحاسيس المرهفة ويتدخل في أعماق هؤلاء الناس المشتتين ذهنياً المحاربين لأقسى وأشنع أنواع المشاعر القاسية، الفن بطريقةٍ ما وُجد ليكون العلاج لمرضى الإصابة الدماغية الرضيّة . علاج هؤلاء الجنود الأمريكيين جاء عن طريق جعلهم يصنعون أقنعة تُظهر أحاسيسهم الخفيّة وقد عبّرت هذه الأقنعة عمّا يسبح في أعماقهم حقاً حيث شكّلوا الجماجم والتي ترمز غالباً للموت، وعدم القدرة على التعبير بتشكيل أفواه مخيّطة أو مكمّمة، وعبّروا عن الألم الجسدي عن طريق تشكيل تصدّعات وجروح على سطح القناع والمشاعر الوطنيّة كذلك عن طريق رسم الأعلام . أسلوب العلاج هذا عمل على تحسين الحالة النفسية والذهنية لهؤلاء المرضى حيث سمحت لهم بالانفتاح والتحدث عن آلامهم والصعوبات في حياتهم . مفهوم العلاج بالفن يكاد يكون معدوماً في مجتمعنا وإن وُجد سيلاقي كثيراً من الرفض بدواعي مثل التشكيك بجدواه وفائدته، ولكن هذا الرقيب بيري هوبمان والذي قاتل في العراق خلال الفترة من عام 2006 حتى 2008 وكان أحد ضحايا الإصابة الدماغية الرضية الخفيفة قال: "كنت أظن أن جلسات العلاج بالفن مزحة ليس إلا، فكنت لا أود أن أشارك بها أولاً لأنني رجل وأكره أن أمسك بفرشاة رسم صغيرة وهشة، ثانياً لأنني لست فناناً، ثالثاً لأنني لست طفلاً في الروضة، لكنني كنت جاهلاً بأهمية هذا الأمر فلقد ساعدتني هذه الجلسات على التحسن كثيراً" . أتمنى حقاً أن تتطور مفاهيمنا للعلاج وأن ندرك أن الصيدلة والجراحة ليست فقط السبل الوحيدة للعلاج .

--------------------------------------------------------- -

لقراءة المقال من المصدر اضغط الرابط التالي:


http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/faffd769-b50d-4ac5-a2a8-9bdcccace60e