المحاذير والأمل


alkhleejLogo.png

هل التقدم العلمي في مجال الطب حقيقة تلامس الواقع؟ وهل لأخبار الاكتشافات الطبية التي نقرأها بين فترة وأخرى أثرها في المجتمع؟ هذان السؤالان تبادرا إلى ذهني عندما قرأت تقريراً صدر من جامعة كولجز لندن وجامعة كنجز يبشرنا بأنه في عام 2050 لن يصاب الناس دون الثمانين بالسرطان والسبب في ذلك يعود إلى أن ضحايا المرض في تناقص وسيصلون لأقل نسبة ممكنة خلال عقود قليلة حيث أن هناك أنواعاً من السرطان يمكن تجنبها إذا ما تمت مكافحة السمنة والتوقف عن التدخين وتناول جرعة يومية من الأسبرين لتساعد على سيولة الدم . رغم ذلك، فإن هذا التقرير يقودنا لاستفهامات عديدة، فماذا عن السرطانات الناتجة عن طفرات جينية وعيوب خلقية؟ وهل حقاً الوقاية من السرطان كافية لمكافحته والقضاء عليه؟ نعلم أن الوقاية خير من العلاج، ورغم ذلك فإننا نحتاج إلى العلاج عندما يقع المرض . كثير من السرطانات لم تُفهم آلية تكوينها وكيفية تسببها للمرض فكيف يمكن الوقاية منها أو علاجها؟ أيضاً قرأت تقريراً آخر عن تجارب أُجريت في جامعة كاليفورنيا من قبل العالم ثيودورو بيرجر تبشر بعلاج أمراض فقدان الذاكرة والزهايمر حيث تم زرع رقاقات إلكترونية في أدمغة فئران غير مدربة على القفز وهذه الرقاقات تحتوي على إشارات عصبية أو بمعنى آخر ذكريات لمجموعة أخرى من الفئران مدربة على القفز وبمجرد زراعتها أصبحت هذه الفئران غير المدربة قادرة على القفز رغم أنه لم يجر أي تدريب ولم تشكّل أي ذكرى عن هذه العملية وقد أُعيدت التجربة على مئة فأر حتى تم التأكد من فاعلية هذه الرقاقات على أدمغة الفئران . يتلخص عمل هذه الرقاقات الإلكترونية في أنها تقوم بتسجيل الإشارات العصبية أو الذكريات ومن ثم تقوم بنقلها للمنطقة المتضررة من الدماغ . السؤال أو التحدي الكبير لعلماء الأعصاب هو: هل لكل منا شفرة عصبية خاصة (كالبصمات) أم أننا نتشارك اللغة والإشارات العصبية؟ بمعنى آخر، هل يمكن تكرار هذه التجربة على البشر؟ من المعروف والبديهي جداً أن لكل منا حياته وذكرياته الخاصة وتجاربه ومبادئه المتفردة والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُجلب من دماغ لدماغ آخر لإعادتها للشخص الذي فقدها ولكن إن تغاضينا عن هذا النوع من الذكريات الخاصة والمميزة واكتفينا بزراعة الإشارات العصبية للذكريات الروتينية كتنظيف الأسنان وتناول الطعام وقيادة السيارة وارتداء الثياب فهل ستنجح هذه التجربة ويتمكن المصاب بالزهايمر من ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي؟ الأمر الذي يعطل التقدم في هذا النوع من الأبحاث هو أن هذه التقنيات الحديثة تطرح تساؤلات أخلاقية، ففي حال بدأت الدراسة على دماغ إنسانٍ ما فإنه لن يكون هو نفس الشخص بعد إجراء التجارب عليه بأي حال من الأحوال، ذلك أنه لو افترضنا نجاح التجربة وزراعة الرقاقات بنجاح في دماغه فإن الذكريات التي وُضعت ليست ذكرياته وليست تجاربه ولا خبراته بل هي تنتمي لشخص أو دماغ آخر، وفي حال لم تنجح التجربة فإننا لا نعلم إلى أي مدى سيتضرر دماغه ويتعطل . لذلك كما قلت في البداية قد لا نشعر بأهمية البحوث العلمية لأنها غالباً ما تكون غريبة وغير واقعية ومملوءة بكثير من الفجوات، قد نشعر بأنها لا تلامس واقعنا ولا تطور في حياتنا اليومية شيئاً بل هي مجرد بث للأمل أو ملء مساحة في المجلات وصفحات الأخبار . في الواقع الحل الوحيد لتطوير العلوم واستشعار نتائج البحوث العلمية هو باستمرارية البحث ودعمه وتمويله لأن الخلل في بحث ما قد يسده ويعالجه بحث آخر وقد تخرج مئات البحوث للنور فقط لإيجاد حل واحد لمشكلة واحدة، هذا ميدان العلوم ومن قال يوماً إن العلوم سهلة؟

------------------------------------------------- -

لقراءة المقال من المصدر اضغط الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/211ed21e-3293-477f-b5c4-4fe4bfbf312ehttp://www.alkhaleej.ae/supplements/page/211ed21e-3293-477f-b5c4-4fe4bfbf312e