اتخاذ القرار علم و ليس مقامرة

الحياة عبارة عن تحديات متتالية ولمواجهتها والتغلب عليها نحتاج لاتخاذ الكثير من القرارات، وفي أحيان كثيرة تكون هذه القرارات مصيرية بمعنى تحدد مستقبلنا، ونعلم أنه في كثير من الأحيان تكون بعض القرارات غير موفقة ومربكة لمسيرة الفرد على المستوى اشخصي أو على مستوى المنشآت في القطاع التجاري، وهناك معضلة ترفق اتخاذ القرار وهي أن الفترة الزمنية التي تتطلب منك إصدار قرارك وجيزة جدا، فتكون أمام خيارين لا ثالث لهما إما تصدر قرار وقد يكون خاطئا وفي غير محلة أو أن لا تصدر قرار، فتفوت عليك فرصة ثمينة من فرص الحياة الشحيحة. من أجل عدم الوقوع في مثل الشرك أو عدم الوقوع في مثل هذه الخيارات الآنية والمصيرية، يتطلب منا أن تعلم كيفية دراسة الحالة أو الموضوع وكيف نحدد أولوياتنا ومن ثم نصدر قراراتنا وتكون في محلها، والعبرة هنا هي أن لا تنتظر حتى تأتيك أزمة لتتخذ فيها قرار بل يجب عليك المبادرة ودراسة كيفية إصدار قرار صائب وناجح. هذا الجانب الحيوي الهامة في حياتنا هو ما يناقشه ويطرحه بشكل احترافي ومفيد كتاب: " فن اتخاذ القرار " لمؤلفته هيلغا دروموند، وترجمة باسمة النوري، وناشره مكتبة العبيكان. تميز الكتاب بسرد القصص من واقع الحياة حيث جمعت المؤلفة قصص لأشخاص اتخذوا قرارات كانت خاطئة تماما وأخرى لقرارات ناجحة، ومن بين هذه القصص شرحت المؤلفة كيفية تحقيق الأهداف والطموحات، بل يعلمك كيفية اتخاذ قرار حاسم في لحظات تحتاج إلى سرعة البديهة والقرار الصائب في الوقت نفسه. سلطت المؤلفة الضوء على علم وفن اتخاذ القرار بشكل مبسط وسهل بعيدا عن المصطلحات المعقدة والنظريات الإدارية والاجتماعية التخصصية، لذا من البديهي أن يكون الكتاب موجها لجميع الشرائح في أي مجتمع. تكمن أهمية هذا الكتاب أيضاً في أن الجميع في حاجة ماسة له ودون استثناء فلا يوجد إنسان لا يتخذ قرارات كبرت أو صغرت مهمة أو غير مهمة، لذا فالجميع يحتاجون أن يتعلموا فنون اتخاذ القرار بذكاء ودقة وسرعة.

جميعنا ندرك أنه من السهل أن يتخذ أيا منا قرار نهائي في موضوع ما، لكن ماذا بعد؟ هل سيكون إيجابياً أم سلبياً؟ كذلك لا تنسى مرحلة التردد، التسويف، الخوف، القلق، وعدم الثقة بالنفس، فالعواطف والمشاعر المتضاربة والعوامل الإنسانية بصفة عامة جميعها تدمر القرار. وبرغم هذا فإن هذا المؤلف ليس طوق نجاحك في اتخاذ قرار صائب، بل هو سبيل وطريق يؤدي لإرشادك نحو الهدف وكيف تحدده وتتوجه نحوه، تقول المؤلفة هليغا درودموند، حول هذا المعنى: " نقوم في حياتنا الشخصية بصنع قرارات غير مدروسة، فقد نجد أنفسنا قد تورطنا في عمل أو علاقة ما ولا ندري كيف تم ذلك. وقد نتبع إرشادات الكتاب بحذافيرها ونفشل بشكل ذريع بينما يكتب لنا النجاح الباهر عندما نتبع أحاسيسنا وحدسنا الداخلي. السؤال المهم الذي يريد أن يطرح إجابته هذا الكتاب هو كيف ولماذا تنحرف القرارات؟ ". نهجت المؤلفة نهجا متوازن في كتابها فهي لم تبشر بحلول جذرية ولكنها أيضاً لم تترك علم اتخاذ القرار وكأنه مقامرة تعتمد على الحض والنصيب، بل حملت منجزها الكثير من الشواهد الجميلة لأفكار اتخذت فيها قرارات كانت تتوقع أن تفضي لحالة جديدة غير مسبوقة وثبت الواقع أنها خاطئة، رغم أن هذه القرارات تمت وفق دراسات مستفيضة، استحضرت المؤلفة مثالاً واقعياً من حياتنا المعاصرة، حيث قالت: "الكمبيوترات المحمولة توقعنا منها أن تقضي على الأجهزة المكتبية هذا التنبؤ لم يتحقق حتى الآن". رسالة هذا الكتاب عميقة وهذا العمق هو الجوهر الذي يفيد القارئ المتعطش للعلم، حيث تقول المؤلفة:" إن علم القرار يفترض أننا نعيش في عالم حيث نجد فيه اثنين زائد اثنين يساوي أربعة، وأن المشاكل عندما تحط على مكاتب صناع القرار تكون منسقة ومحددة ومكتوب عليها للانتباه، والفكرة المهمة في هذا الكتاب هي عكس ذلك". قسمت المؤلفة كتابها إلى أثنى عشر فصلاً رئيسياً يندرج تحت كل فصل جملة من المواضيع الهامة، ومنها: عندما تدق الساعة الثالثة عشر التحدي في صنع الإحساس، الصباح التالي، الجانب المعتم من القمر، أشباح وخيالات، خداع العقل، الكذبة الجوهرية اكتشاف عملية تكوين الأسطورة، التيارات العالية والعشب الأخضر وهم التحكم، روايات لحالات غير متوقعة اكتشاف متناقضات العواقب، ركوب النمر قفزة تصاعدية لاتخاذ القرار، مفتاح النجاح يطرق باب القدر، نقطة اللاعودة، فن اتخاذ القرار. وأختم هذه القراءة بما جاء في الفصل الثاني عشر من الكتاب حيث قالت المؤلفة: " الهدف من هذا الكتاب كان ولازال اقتراح أن فن اتخاذ القرار هو نفاذ البصيرة وليس وصفة طبية". الكتاب جاء في القطع الكبير وفي 407 صفحة وتعمل مؤلفته هيلغا دروموند، أستاذة في علوم القرار في جامعة ليفربول، في المملكة المتحدة، وهي استشارية لعدة مجلات في عالم الأعمال، وقد نشرت سبعة كتب تم ترجمتها لمختلف لغات العالم.