لن أسمح بالتلاعب بمشاعري

في كثير من الأحيان نحن من نسبب الألم والحزن لأنفسنا، بل إننا نستدعي بعض الأحداث ونجعلها هي المسيطرة على تفكيرنا وبالتالي على يومنا وحياتنا، نحن السبب لأننا نحن من نختار طواعية تلك الأصوات التي تغذي يومنا سواء بالتفاؤل أو بالسوداوية . هذا واقع معروف، وهو أننا سمحنا للآخرين بالتلاعب بنا وبمشاعرنا . لكن هناك معضلة أشد قوة وأكثر فداحة، هناك خطأ كبير وبالغ الخطورة أثره لا يصل لأرواحنا ومشاعرنا وحسب، بل يتجاوزه ليكون مؤذياً ليس للمقربين منا فقط، بل لمجتمعنا وللوطن جميعه وهو عندما نسمح لأدعياء يتقمصون لباساً ليس لهم للتأثير فينا وفي عقولنا وفي مستقبلنا هنا تكون المعضلة أعظم وتمس كافة جوانب حياتنا ومجتمعاتنا . في هذا السياق أسرد كمثال الشباب الذين في مقتبل العمر وقد رهنوا عقولهم وحياتهم لخدمة أجندة التطرف والحركات الإرهابية والتي تسمى بالإسلام السياسي، هؤلاء الشباب سمحوا عن سبق من المعرفة والإصرار لهؤلاء الأدعياء بأن يؤثروا فيهم ويقودوا مستقبلهم نحو جرف من الأخطاء والهاوية العميقة، فباتوا أبواقاً ضد بلدانهم وأهلهم وناسهم . هذا السماح والموافقة ثم كل هذا التأثير الخطير الذي نشاهده ونعيشه تم رصده منذ عقود وبات معروفاً في علم النفس، ففي كتاب صدر في عام 2005 تحت عنوان: "لن أسمح بالتلاعب بمشاعري" من تأليف الدكتور برنار راكان، وهو معالج نفسي ومتخصص في استراتيجيات السلوك، إشارات واضحة لمثل هذا السقوط المدوي الذي نشاهده اليوم لعدد من الشباب . راكان يقول: "يدعي المحتال المتستر بقناع الدين لنفسه أنه ملهم بقوة إلهية وهو ما يسمح له بالتأويل كما يشاء، ويظن أنه يعرف ما يريده الله لكم، ومن بين كل أنواع التلاعبات تمثل التلاعبات المتخفية وراء الستار الديني أخطرها، وبما أنها تتنكر للعالم الحالي وتناهضه فإنه يمكن لها أن تؤدي بكم إلى التنكر لأصدقائكم ولبلدكم، ويمكن لبعض الناس المفتونين بمجانية الخطب الجميلة المحركة للنشوة أن يصبحوا ضعفاء الفكر ويصل بهم الأمر إلى الخضوع والاستسلام والطاعة كالإنسان الآلي" . وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في عالمنا العربي عندما يتم تجنيد شباب في مقتبل العمر للقيام بعمليات إرهابية وانتحارية، فنحن دوما نسأل: أين عقولهم؟ وننسى أنه تم التلاعب بهم وبمشاعرهم وميولاتهم وتم غسل تلك الأدمغة الصغيرة وتم حشوها بالكراهية والحقد وسفك دماء الأبرياء . لقد بات استغلال الدين اليوم عملاً مشاعاً من دون أي خوف أو تردد ومن دون أي رادع من القوانين والأنظمة في كافة بقاع العالم، وتستغل مواقع التواصل الاجتماعي مثل "تويتر" و"فيس بوك" وغيرها لإيصال رسائل هؤلاء المتلاعبين بعقول وطموحات وآمال الشباب من دون أي رقيب أو أي جهد للمواجهة والصد والتوعية، لكنني هنا أخاطب الفتيات والشباب على السواء، محذرة من السماح لأي كان بالتلاعب بمشاعرهم ومحاولة اختطاف أحلامهم الذهبية وتحويلها لأحلام من الظلام والأحقاد .

لمشادة المقال من المصدر أنقر على الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/bbe01ec3-e957-4353-a376-0b55fd73533e