رحلة مع رائحة الجوافة: غابرييل ماركيز: ثلاثون سنة بانتظار لحظة الكتابة !


أردت اليوم أن أشارككم القراءة في كتاب "رائحة الجوافة" وهو عبارة عن حوارات أجرها الصحفي بيلينيو مندوزا، الذي تولى رئاسة تحرير مجلتي آليت وموينتو في فنزويلا وكذلك صحيفة ليبر التي كانت تصدر من باريس وتضم كبار كتاب الجيل الجديد لأدب أمريكا اللاتينية، وهو أيضاً أديب فقد صدر له رواية الآبق وسنوات الهروب التي فازت بجائزة بلازا جانيز الكولومبية، أما هذه الحوارات فقد كانت مع الكاتب العالمي " غابرييل غارسيا ماركيز" وقد أفصح بمعلومات حول طقوسه في تأليف رواياته قبل أن ينقلها على الورق ثم أثناء تأليفها وكتابتها، هذا الكتاب جاء في 139 صفحة من القطع الصغير، وقد جعلني أشعر أن هناك هوة بين أدبنا العربي والأدب العالمي إذا صحت التسمية، وكما هو مع

الغلاف.jpg

روف لدى الكثيرون فإن من أشهر أعمال ماركيز، مائة عام من العزلة، الحب في زمن الكوليرا، خريف البطريرك، وقد حصل على جائزة نوبل في الآداب وجائزة فرديز للشعر، وقد أفادني الكتاب – رائحة الجوافة - بالاقتراب من عالم ماركيز، للتعرف على الحياة التي أنتجت روائياً بهذا الحجم، حيث سلط الضوء على آرائه بشأن الأدب وتربيته الأدبية وعائلته وميوله الحياتية...الخ، يمكنني أن أختصر كل هذا لكم وأقول إنها حياة تعيسة ممتلئة بالمتاعب! يقول ماركيز انه قضى 16 عاماً يفكر بكتابة "مائة عام من العزلة" قبل أن يكتبها بينما انتظر قبل كتابة "خريف البطريرك" سبع عشرة سنة وقبل كتابة قصة "موت معلن" ثلاثون سنة، وكان يرد عندما يوجه له نقد لاذع حول هذا المبدأ " لا أهتم بفكرة لا تستطيع الصمود أمام سنوات الإهمال، إذا كانت صائبة بما يكفي للصمود طيلة تلك السنوات فإنه لا يصبح أي خيار أمامي سوى أن أكتبها".

أعتقد أن مثل هذا المبدأ في الكتابة هو الذي أنتج أعماله الخالدة، فضلاً عن جعله مؤلفاً عالمياً ذا اسم مدوي في أجراء الكرة الأرضية. لكن في الحقيقة ليس هذا الدرس الوحيد الذي يمكن الخروج به من رحلة الفكر مع هذا المؤلف الكبير، حيث يقول ماركيز عن زميله " المؤلف " جراهام جرين: " (علمني) جراهام كيف أحل شفرة المناطق الاستوائية، إننا دائماً ما نجد صعوبة بالغة في عزل العناصر الأساسية للتوصل إلى صيغة شعرية من بيئة نعرفها جيداً ". وضعت كلمة علمني بين قوسين، هل يمكن أن نجد كاتباً عربياً يقول أن زميله " علمه " حبكة أدبية أو طريقة في الكتابة؟ بل ليكن السؤال أكثر قسوة، هل ساحتنا الأدبية مثالية لهذه الدرجة؟ ثم هل مستوى بعض كتابنا تسمح لهم أن يكونوا على هذه الدرجة من التواضع والشفافية؟ وأخيراً يبقى السؤال الحتمي والأهم والأكثر عمق هل يوجد بيننا مؤلف يظل أعوام في انتظار لحظة الهام لحظة تقول له أن عمله عظيم ومقاوم لأي تغييرات زمنية وبالتالي ستصل رواياته إلى مسارح نوبل وتترجم للغات العالم؟ أم لدينا حالة من الاندفاع نحو التأليف والكتابة لدرجة أن هناك من يصرح أنه كتب روايته خلال أسبوعين فقط؟ هل بيننا من قرأ وسافر وتعلم حرفة معينة وبحث وسأل وعمل إحصائيات ووو..الخ ثم بدأ يكتب روايته؟ - كما فعل باتريك زوسكيند مؤلف رواية العطر ! ...