هداية الساجوب تنهض من ذاكرة النسيان

شدني الفضول لتصفح كتاب حمل عنوان: "دراسة أدبية عن الشاعرة هداية الساجوب" من تأليف إبراهيم محمد بوملحة، ورغم عدم اهتمامي بمجال الشعر والشعراء، إلا أني قرأت مقاطع قصيرة منه قبل الشراء، كانت كفيلة بدفعي لاقتنائه . هذا المنجز حمل دلالات عدة توقفت أمامها بمزيد من العرفان للمؤلف أولاً ثم لمثل هذه الشاعرة التي كادت تغيب في أتون النسيان، فالمؤلف أخذ على عاتقه وبمبادرة إنسانية صرفة، أن يقدم لنا هذا الاسم الشعري الذي كان معروفاً ومتداولاً في زمنه، ومن اجل تحقيق هذه الغاية عمل المؤلف على جبهات عدة، كما يقال، من أجل أن يتمكن من جمع الأبيات الشعرية التي ألفتها الشاعرة التي كانت متناثرة ومتفرقة على الألسن ومحفوظة في الصدور فقط من دون تدوين . الباحث بوملحة حمل على عاتقه كتابة دراسة أدبية متكاملة عن هذه الشاعرة التي كاد التاريخ يمحو اسمها بعد أن جرف الموت روحها وكاد الزمان يطوي ذكرها . لم يكتب للشاعرة هداية الساجوب من الأبناء أو الأقارب من يبث الروح في أشعارها وينشرها على نطاق واسع رغم جودتها ودلالاتها العميقة، فقد ماتت ابنتها، وابنها الوحيد توفي هو الآخر بعد أن تزوج ورحل عنها، وتواصلت محنة هذه الشاعرة عندما فقدت زوجها ورفيق دربها، لتكتمل أركان الوحدة، وبعد وفاتها ذبلت أشعارها وبدأت تغيب عن الذاكرة، إلا أن الباحث رفض أن تنتهي أسطورة هداية الساجوب، أو أن تصبح في طي النسيان فبحث، رغم شح المصادر، وتحرى وجمع ما تمكن من جمعه من أشعارها، بل أرقه القلق أن تصبح "هداية" التي لا تمت له بأي صلة في طي النسيان، وعن ذلك قال في صفحة 12: "وقد استبد بي القلق لأن يضيع شعرها سدى، ويغيب اسمها بهذه الصورة السريعة" . ولعل سبب هذا الاهتمام والوفاء هو إخلاص الباحث واعتزازه بالتراث الذي من دون شك يعد الشعر من أهم رموزه، وقال في صفحة 13: "إذ إن هواية جمع التراث لدي وصلتي بالشعر لم تكن قد بدأت معي إلا في وقت متأخر من شبابي، فضاعت لذلك ثروة شعرية هامة" . تعد هداية الساجوب من أهم شعراء الستينات من القرن العشرين، كانت لها علاقات مع كثير من البيوت والعوائل وغيرها من الجيران والأصدقاء، وبطبيعة الحال كانت تلقى اهتماماً كبيراً بما أنها شاعرة قديرة، وهذه من ثمرات أن تكون شاعراً في ذلك الزمان الذي يهتم بالشعراء ويحتفي بهم . عاشت برفقة أبناء أختها بعد أن مات زوجها وابنتها وابنها، ورغم أن أشعارها كانت أفضل وأجود من كثير من الشعراء الذين نحفظ أسماءهم اليوم، إلا أن أشعار هداية الساجوب ضاعت في مهب الريح، بما أنها لم يكن لها أبناء أو أحفاد يحفظون أشعارها وقصائدها . يقول الباحث في صفحة 12: "كان الوفاض لا يزال خالياً إلا من بعض أبيات متناثرة من بعض ألسنة المعاصرين الذين لا يزالون يحفظون نتفاً من أشعارها أو من قصائد لا تتعدى قصيدتين أو ثلاث قصائد فقط" . ويظهر هذا الضياع جلياً في قصيدتها "الثأر"، فيقول الباحث في صفحة 63: "نظمت الشاعرة قصيدة حماسية ملتهبة لم نعثر منها إلا على بعض الأبيات القليلة" . من يقرأ من أشعار هداية الساجوب أو قصائدها الشحيحة سيشعر بالحسرة التي شعر بها الباحث فقد كانت مميزة بحق، تملك كلمات قوية، ولكنها عميقة بالصدق . في أبيات لها في مدح الشيخ سعيد بن مكتوم، رحمه الله، تقول: "من خاطري هيضت لشعار، في شف من حامي نواحيج . شيخ إمام ونسل لخيار، سعيد ربي مكنه فيج" . من المؤسف أن هداية الساجوب وكثيرين من أمثالها لم يحظوا بالشهرة التي يستحقونها عن جدارة، وأتساءل: كم من مبدع ومبدعة صاروا في طي النسيان ولم يجدوا من يكتب عنهم ليعيد الروح في ذكراهم ولم يحظوا بتكريم لأعمالهم وإبداعاتهم؟ وهذه حالة قد تكون عامة في عالمنا العربي شملت الأدباء والعلماء، مثل العالمة مريم الإسطرلابي التي لا تحظى بأي التفات أو ذكرى رغم أنها مخترعة الإسطرلاب الذي على أساسه تعمل تقنية "الجي بي إس" والبوصلة اليوم . وهذا الذي يدعوني للتمني أن يكون هناك عشرات العشرات من أمثال الباحث إبراهيم بوملحة، في الأوساط العلمية العربية ليأخذوا على عاتقهم فضيلة البحث الإنساني، من أجل الإنسان ومنتجه وحسب . وصدقت الشاعرة هداية الساجوب في أبياتها الشعرية التي أنقذها من الضياع هذا الباحث الإنسان، عندما قالت: " جرّب قلم بكتب صفاته، سلام ممزوج بدهن عود" .

لقراءة المقال من المصدر انقر على الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/a09fa0c1-01c5-4d57-a298-e9e42978bf21