لأنني نتاج من هذا التراث

من منا لم يتم حرمانه من عدة أمور كان يتمنى الحصول عليها في صغره؟ بل كم منا لم يبك لساعات طويلة في محاولة للحصول على رغبات متواضعة كلعبة زهيدة أو حلوى شدنا إليها لونها الزهري أو الأحمر لا أكثر؟ وكم منا مازال يتذكر الموقف الصارم لأمه أو لأبيه ورفضهما القاطع الانصياع لرغباته الطفولية بحجة واحدة وهي أنه لا يعرف مصلحة نفسه؟لذا نحن جيل متماسك أو إذا أردت القول: جيل واع، أو جيل على قدر من المسؤولية، لم نحرم من الألعاب ولا من الحلويات، ولكننا في نفس الوقت تعلمنا قيمتها وقيمة الوقت الذي نهدره، كان آباؤنا وأمهاتنا على قدر المسؤولية التربوية الجسيمة الملقاة على عاتقهم، وأخرجونا نحو العالم ونحن أكثر استعداداً له، وأكثر معرفة بجوانبه وأخطاره .هذا جميعه تم، وهذا الأب أو الأم لا يتمتعان بتعليم عال ولا متخصص في التربية وعلم النفس ونحوهما، بل حبهما العفوي ورغبتهما الصادقة الواضحة في حمايتنا حتى من أنفسنا كانت محركها نحو هذه التربية التي قد يراها بعضهم صارمة ولكن في عمقها الحب والخوف، كانت طريقتهما وخطتهما التربوية هي التي قادتنا لما نحن عليه اليوم من تميز حياتي سواء على المستوى التعليمي أو الاجتماعي .الصورة في هذا العصر مختلفة تماماً، حيث نشاهد نساء ورجالاً على درجة عالية من التعليم والمعرفة ورغم كل هذا فإنهم متعثرون في التعامل مع أطفالهم، فلا يمنحونهم قيمة أخلاقية حقيقية لمعنى الصدق، لمعنى النعمة التي يعيشونها، يتم اليوم مع الأسف من دون تعميم، تنشئة جيل غير مهتم بما يملك وغير مدرك لأبعاد ما بين يديه من تقنيات وممتلكات .جيل استهلاكي من الطراز الأول، والمشكلة الحقيقية أنه جيل غير مبال، لديه ثقة مفرطة بالنفس في غير محلها، لم يولد هذا الجيل بهذه القيم وإنما تم غرسها في وجدانه بطريقة مشوهة ووفق تعاملات حياتية كان يراها تتم أمام عينيه فهو اليوم يعيد إنتاج ما تلقاه في نعومة أظفاره وهذا جميعه انعكس بشكل واضح على مدى احترامه للآخرين .باتت هذه المفردة هجينة في عقله وتفكيره، بل ومستهجنة في سلوكه

اليومي الذي يمارسه مع الناس، ومرة أخرى لا أعمم ولكنني أدق ناقوس الخطر من مثل هذه التربية التي تتم وفق الإسراف في الدلال وتقديم كل ما لذ وطاب من دون إشعار هذا الطفل بقيمة ما يملك، وفي نفس الوقت من دون غرس قيم الحب والألفة مع مجتمعه ومع محيطه القريب منه .أقول إن النهج التربوي لآبائنا وأجدادنا كان في محله تماماً، ومن يزعم بأنها طرق تربوية بدائية لا يعلم قيمة الماضي وأثره البالغ والكبير في المستقبل، لا يدرك معنى التراث التربوي ومدى تفاعله وانصهاره وتأثيره في كثير مع النظريات التربوية الحديثة . . إنني، وكما أتبنى نظريات تربوية وعلمية حديثة، لا يمكن أن أتجاهل هذا الكنز المعرفي في مجال التربية والذي توارثناه من الأجداد والآباء والسبب ببساطة متناهية أنني واحدة من نتاج هذه التراث العظيم

:لقراءة المقال من المصدر

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/24ff600e-5e80-46b5-8a24-73a611c84080#sthash.2reHJ6FY.dpuf