دولة تبني الإنسان وأخرى تحطمه

119610.jpg

توجد دول أخذت على عاتقها العمل على التنمية والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي لمواطنيها ونشر قيم التسامح وفضائل العلم، لذا تجدها مشغولة ببناء المدارس والمراكز العلمية والجامعات ومراكز البحوث والمختبرات وغيرها، وتوجد دول أخرى تنفق مواردها ومكتسباتها ومدخرات أجيالها على قضايا بعيدة عنها ولا تمت لها بصلة، بل إنها لا تتقاطع، لا من قريب أو بعيد، مع تطلعات مواطنيها ورغباتهم، فتزداد البطالة وتكثر الديون وتتضخم أسعار السلع وتشح من الأسواق، فتتزايد المشاكل الاجتماعية وينتج جيل موتور غاضب عدائي، ومثل هذا النموذج يمكن رصده في دول عدة، سواء إقليمية أو بعيدة عنا. هذا الوضع المتردي يسبب ظاهرة أخرى، وهي هجرة العقول، حيث لا يستطيع المبتكرون والمخترعون والعباقرة البقاء في مثل هذه الأجواء المسمومة، فيهاجرون إلى أمريكا والغرب بصفة عامة. بين يدي خبر نشر قبل أيام عدة عن عالمة رياضيات اسمها مريم ميرزاخاني، وهي اليوم أستاذة في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، باتت أول امرأة تفوز بجائزة فيلدز في الرياضيات والتي تعادل جائزة نوبل. وقد أعلن فوزها مع أربعة من العلماء فازوا بالجائزة في المؤتمر الدولي للرياضيات، وباتت أول امرأة تحصل على هذه الجائزة منذ إطلاقها في عام 1936، ونقل موقع جامعة ستانفورد على الإنترنت عن ميرزاخاني قولها: «هذا شرف كبير، سأكون سعيدة إذا شجع هذا عالمات الرياضيات الشابات، أنا متأكدة من فوز المزيد من النساء بمثل هذه الجائزة في الأعوام المقبلة». بقي أن نسأل هل كان يمكن لهذا الإبداع والعبقرية أن ينبثقا ويشرق نورهما لو كانت مازالت في موطنها الأصلي؟ وفي الجهة المقابلة خبر آخر عن اختيار شبكة سي إن إن الأمريكية للطفل الإماراتي أديب البلوشي المعروف باختراعاته التي نالت اهتماماً واسعاً داخل الإمارات وخارجها، من بين ثمانية أطفال نوابغ في مجال الاختراعات والمساهمات الطبية وقالت عبر موقعها الإلكتروني في مقال حمل عنوان «تعرفوا إلى مستقبل الطب» إن رحلة البلوشي إلى شاطئ البحر مع والده كانت المحفز الأساسي لبداية حياته مخترعاً، حين رأى والده الذي عانى شلل الأطفال غير قادر على السباحة، فصنع ساقاً صناعية ملائمة للاستخدام المائي ومطلية بالشمع الطبي، كما توصل لاختراع إنسان آلي متحرك لكي يساعد والدته على تنظيف المنزل. أعتقد أن الهوة كبيرة والفرق شاسع بين دولة ترعى الإنسان ورفاهيته وتعمل على تقدمه وسعادته، ودولة سخرت مواردها في فوضى وتخبط سياسي وهدر للموارد وتحطيم للعقول والآمال.