لماذا بكى الجمهور البرازيلي؟

الكثير شاهدوا مباراة كرة القدم التي جمعت البرازيل وألمانيا ضمن الدور نصف النهائي لكأس العالم، وقد خسرت البرازيل تلك المباراة وليس كأي خسارة حيث كانت مدوية مقدارها سبعة أهداف. لقد شاهدنا ذهول الجماهير البرازيلية في البداية لكن بعد الهدف الثالث بدأنا نلاحظ الدموع ثم انسكبت دموع المدرجات بأكملها حيث كانت مكسوة تماماً بالأصفر، بعد الهدف السابع. لم يكن المؤلم أن تخرج فرقة السامبا من النهائيات وتفقد كأس العالم، فهذا كما يقال حال كرة القدم، لكن المؤلم بحق هو تمرغ الشعار الأصفر تحت أقدام الماكينة الألمانية النفاذة العنيفة التي هزت الملعب ودوخت الفرقة البرازيلية. لكنْ لدى الجمهور البرازيلي هم وسبب آخر للبكاء هو التضحية التي قدموها من أجل استضافة كأس العالم، تضحية من قُوتهم، حيث تم صرف مبالغ ضخمة هزت الخزينة في بلد محدود الموارد يصنف أنه من شعوب العالم الفقيرة. والولع البرازيلي بكرة القدم سمح للحكومة لديهم بأن تمرر كثيراً من القرارات القاسية منذ أن أعلن عن اختيار البرازيل لاستضافة كأس العالم على أراضيها. هذا العشق القديم للشعب البرازيلي لكرة القدم تبخر واندثر تماماً، فلا هم نالوا الكأس التي يسعون لها بشغف وحب ويباهون العالم ويفاخرون بها، ولا هم أيضاً حفظوا ماء الوجه بهزيمة معقولة تليق بتقاليد كرة القدم خصوصاً هذين المنتخبين العالميين بكل ما تعني الكلمة، حيث يمكن أن تكون النتيجة 1 ـ صفر أو 2ـ صفر أو2 ـ 1، لا أن تكون سبعة لواحد. الذي يتم توقعه الآن أن تحدث جلبة وغضب جماهيري بعد هذه الخسارة المدوية، وبعد أن يدرك الجمهور البرازيلي حجم الخسارة المعنوية والحسية، المعنوية بتحطم الأسطورة البرازيلية المتمثلة في ريادتها عالم كرة القدم ومن ثم تمرغها تحت أقدام الألمان، أما الحسية فهي فقدان الكأس الغالية وأيضاً المتاعب الاقتصادية، فما إن تنتهي فعاليات هذه البطولة ويطير بالكأس بطلها حتى يبدأ الجميع بحساب المكاسب والخسائر، بحساب المصاريف وحساب الموارد. بقي أن أذكر أني لست من النوع المولع بكرة القدم لكن مثل هذه الأحداث تفرض نفسها علينا وتجعلنا نتابع. والحقيقة أن ما شاهدته من لقطات لدموع امتزجت بالألوان التي صبغ الجمهور وجوههم بها كان بحق مؤثراً. أجزم أن تلك الدموع كانت وطنية من الطراز الأول، لأن الوطن عزيز في كل الميادين وخسارته مؤلمة ومحزنة.. لقد كانت أمسية تعلمنا منها معنى الوطنية ومعنى الوطن، معنى أن تكون مهموماً ومتحفزاً مدة ساعة ونصف.. كل هذا فقط لأن الذين في الملعب يرتدون شعار وطنك.