شيماء المرزوقي: الكتابة للطفل تحدّ حقيقي لكل مبدع



تشهد الساحة الثقافية في الإمارات، إقبالاً واضحاً على الفنون السردية بمختلف أنواعها، وقد نتج عن ذلك بروز العديد من الأسماء الشابة التي بدأت تخطو بثبات نحو تكوين مسارها الإبداعي والأدبي، ومن هذه الأسماء الروائية والمؤلفة شيماء المرزوقي، والتي تتميز بنشاطها العالي وتنوع اهتماماتها في مجال الكتابة والأدب، فهي تكتب عموداً ثابتاً في عدد من الصحف اليومية والمجلات الشهرية. كما أصدرت رواية (ريانة) لليافعين، وكتاب يختص بالقضايا المعاصرة للغة العربية بعنوان «التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصرنا»، ومؤخراً صدرت لها رواية إنسانية بعنوان (زعفران). ونشرت العديد من قصص الأطفال باللغة العربية منها: «رحلة حمد في مدينة دبي»، «يومي الأول في الروضة»، «لا أحد يلعب معي»، «أسماء والدب فوفو»، «من هي؟»، «ماذا أفعل»، كما أشرفت على عدد من الدورات والورشات التدريبية المختصة بفن الكتابة. وللوقوف عند تجربتها الإبداعية وأهم العوامل التي شكلت هذه التجربة، كان لنا معها الحوار التالي:

} ما العوامل التي دفعتك نحو الأدب، وأنضجت تجربتها الإبداعية؟

- لقد حظيت منذ سنوات الدراسة الأولى باهتمام الأهل، وبالأخص الوالدة التي استمرت على الدوام تشجعنا على القراءة والمشاركة في الدورات والمحاضرات والورشات، فهي تؤمن بأن العلم والمعرفة يجب أن يصقل في الطفل منذ الصغر حتى يتوسع و يتطور مع الزمن، كذلك وجدت تشجيعاً كبيراً من معلماتي في مختلف مراحلي الدراسية لخوض عالم الكتابة، كما كان لأستاذي في الجامعة الفضل الأكبر في نشر أولى مؤلفاتي وهو كتاب يتحدث عن التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصرنا الحالي. جانب آخر دفعني للكتابة، ويتمثل في شغفي بالقراءة وهي بالنسبة إليّ مساحة لا تحكمها أية قيود، إضافة إلى كونها تشكل المخزون الثقافي للكاتب وأحد أهم الركائز التي يستند إليها، لكنني أرى أن القراءة ليست الطريقة الوحيدة التي تقودك نحو الكتابة والتأليف، بل إن الكاتب بحاجة إلى خبرات وتجارب متنوعة وعديدة تؤهله ليكتب ويعبر ويسرد.. إلخ. وفي الوقت الحالي، الكتابة هي عالمي الخاص وهي من أمتع الأنشطة التي أمارسها وأحبها من أعماق القلب وأعطيها الأولوية في الجدول اليومي، على المؤلف أن يبحث دائماً عن المحيط الإيجابي والأشخاص المحفزين.

فالكتابة لها حق من وقتنا وإن أردنا أن ننجز ونحقق فلابد أن نخصص لها من وقتنا الثمين ونعززها بالقراءة المستمرة لنوسع من دائرة معرفتنا ونطور من قدراتنا ومهاراتنا.

} «زعفران» هي باكورة إنتاجك الأدبي؟ حدثينا عنها؟

- هي رواية إنسانية عن فتاة صغيرة قذفتها جدتها في حقول الزعفران وقد كان الموت مصيرها خاصة أنه تم التخلي عنها في ليلة شتوية ممطرة شديدة الرياح لكن غريزة البقاء منحتها الحياة وانتصرت، التقطها المزارع عامر الذي أحسن معاملتها وأسماها زعفران تيمناً بالمكان الذي وجدها فيه، وكانت تساعده على حقول الزعفران وأسهمت في إنقاذ محصوله الثمين، وبسببها أصبح عامر أكثر غنى وثراء، توفي عامر، وهو في الغربة لتبدأ زعفران فصلاً جديداً من المعاناة، وأدركت أن كل ما في الحياة أثمن منها فهي يجب أن تتحمل القسوة والجوع وتتجرع العنف والموت ما دامت على قيد الحياة، كانت مهارتها في التعامل مع نباتات الزعفران الثمينة محل استغلال دائم.. فقط الخالة هناء كانت الوحيدة التي عطفت على زعفران ومنحتها ولو قليل من الدفء الذي لم تجده لدى الآخرين. حاولت في رواية زعفران أن أوصل عدة رسائل من أهمها أنه مهما تزايدت التقنيات ووسائل الاتصال الحديثة فإن معاناة الإنسان مستمرة وظلمه لن يتوقف، أيضاً أننا إذا لم نكن نملك الإرادة الحقيقة لمساعدة الضعفاء والبؤساء فإن المنظمات والمؤسسات الحقوقية ستظهر وكأنها هيكل بعيدة عن الروح لا أكثر ولن تستطيع القيام بعملها، وهناك جانب آخر سعيت إلى التأكيد عليه وهو أن التعاطف شيء والعمل على مساعدة البؤساء والضعفاء في المجتمع شيء آخر مختلف، فلا يعني التعاطف أنك قمت بدورك، فهذا التعاطف لن يستفيد منه الجائع ولا المحتاج، وجاءت الرواية بضمير المتكلم، لم أكتبها بذاتية وكأني أنا البطلة بل حاولت أن أجعل من نفسي جهاز عرض ليستطيع القارىء من خلالي مشاهدة الأحداث.

} ما الذي دفعك لإصدار كتاب يتناول تحديات اللغة العربية؟

- تواجه اللغة العربية ضغوطاً عديدة ولكنها ليست عرضة الانقراض كما يزعم البعض، فهي بالنسبة إلينا لغة خالدة، لكن هناك تحديات تواجهها فهذا الزخم المعلوماتي اليومي الذي ينشر ويصلنا يأتي بلغات غير العربية وما يتم ترجمته ونقله للعربية قليل جداً، لذا بات من المعقول لدى الكثير من الدارسين أن يحاول إتقان لغة أخرى تساعده وتسهل أموره مثل الإنجليزية، وفي الحقيقة التحديات التي تواجهها العربية تتعلق ببيئات العمل والأعمال حيث يتم إقصاؤها من التعاملات اليومية في مثل هذه المواقع، والسبب يعود إلى العاملين في هذه المواقع، فهم ينتمون إلى ثقافات مختلفة وما يجمعنا بهم الإنجليزية، ولعلنا نلاحظ مثل هذا في المطارات ومواقع الترفيه وبعض الأسواق فجميع من يعمل هناك يتحدثون الإنجليزية، وأعتقد أن حل معالجة مثل هذا الخلل لا يتعلق بدعم اللغة العربية وحسب إنما له جوانب أخرى مثل التوطين وتفعيل البرامج في هذا الإطار، كذلك خطوات مثل إلزام المحال بأن تكون فواتيرها باللغة العربية على سبيل المثال، ولقد التزمت بعض المحال بذلك والمطلوب الآن تعميم هذه الفكرة.

} لديك إصدارات كثيرة في كتب الأطفال، ماهي رؤيتك ومنهجك في هذا النوع من الكتابة؟

- الكتابة للطفل تحدي حقيقي لكل مؤلف، فضلاً عن أهمية الفكرة وحبكة القصة فإن هناك تحدياً آخر يتعلق بلغة الكتاب الذي ستقدمه للطفل، فأنت بحاجة لأن تفهم كيف تعمل آلية عقل الطفل ولكي تدرك ذلك عليك أن تخوض هذا المجال وتفهم النظريات التربوية والعلمية وتطبقها على أرض الواقع. قصص الأطفال بحاجة أيضاً إلى خيال كبير ومحلق، فمثلاً عليك أن تتخيل بأنك طفل يخوض مغامرة ما، وبناءً عليه يجب عليك أن تعبر عن مشاعره، صحيح أن الكتابة للطفل صعبة ويكمن ذلك في عدة جوانب، أولاً دقة المعلومات وطريقة عرضها لمحاولة أن يفهمها عقل الطفل، أيضاً خيالك يجب أن يكون مؤطراً، فأنت تخاطب ذهنية صغيرة قد يكون تأثيرك عليها سلبياً، بمعنى ليس لنا الحرية عند الكتابة للطفل كما في الأعمال الأدبية الأخرى.


إن كنت ترغب في أن تصبح كاتباً للأطفال: اقرأ كثيراً وفي كل مجال.. واترك العنان للطفل بداخلك، وكُن صادقاً في رغبتك، ثم انظر للحياة بعين الطفل، وتأكد أنك إن فعلت فستنجح في كتابة ما يحبه و يحتاجه ويرغب فيه و يثير اهتمامه، أجمل القصص هي التي فيها العفوية و المصداقية، وتكتب بلغة الطفل نفسه.


} أشرفت على عدد من ورشات الكتابة؟، كيف تقيمين هذه التجربة؟

- قدمت عدة دورات في مجال تعلم الكتابة للناشئة، وهي بالمناسبة لا تستهدف إلا وضع خيارات الكتابة أمامهم، لأنني أؤمن أن الكتابة هواية وموهبة، فإذا صقلت بالمهارات والعلوم المتخصصة في هذا المجال فأنت تُعد مؤلفاً متميزاً للمستقبل، وهذا الذي أسعى إلى تحقيقه في مثل هذه الدورات حيث أحاول أولاً اكتشاف الموهوبين، وأيضاً الذين يملكون الرغبة في التعلم، أيضاً قدمت عدة استشارات في مجال التعليم والأسرة، وكانت على نطاق ضيق في مجلس نسائي دوري، ولدي طموح بالتوسع في هذا المجال لكنني خلال هذه الفترة أركز على المناهج العلمية العالمية في حقل المجتمع وتقنيات التعليم الحديثة فضلاً عن سبل وطرق مبتكرة لمعالجة الظواهر السلبية.

-

لقراءة المقال من المصدر اضغط هنا