شيماء المرزوقيSHAIMA AL MARZOOQI
المقالات والنصوص

علموا أبنائكم أن يحبوا بعضهم

علموا أبنائكم أن يحبوا بعضهم
حجم النص


قبل فترة من الزمن وخلال مناسبة اجتماعية، شاهدت إحدى الصديقات وقد كانت هادئة على غير عادتها، و عندما اقتربت منها لأسألها إن كانت بخير، فإذا بي أرى وجهها الشاحب و ملامحها الذابلة و عينيها الحمراوتين، سألتها إن كان يمكنني مساعدتها بأمر ما، و سردت لي تفاصيل المشكلة فوراً، كأنها كانت تنتظر سؤال كهذا، القصة أنه احتدم شجار بين اثنين من إخوانها، الذي وصل إلى مرحلة أن أحدهما أقسم على عدم زيارة الآخر، و رغم دموع والدتهم، إلا أنه لم يتراجع عن قراره و خرج من المنزل غاضباً، أخبرتي أنه ليس هذا ما يحزنها، بل الذي يحزنها هو كثرة المشاجرات في عائلتها و الحساسية المفرطة تجاه بعضهم البعض.

الحقيقة المؤسفة، و الأمر الذي لاحظته، أنه حتى دون حصول مشاكل و مشاجرات فإن العلاقات الأخوية تضعف مع مرور السنوات، حتى أصبح البعض لا يتصل بأخيه أو أخته إلا في المناسبات الكبيرة و الأعياد، و في المقابل نجد أن العلاقات بين الإخوان في أسر أخرى قوية، و الثقة بين بعضهم البعض لا تهتز بسهولة، مهما مرت

مجرد عقبة مؤقتة

السنوات، و حتى بعد الزواج، مثل صديقة تعرفت عليها عبر الفيس بوك تخبرني بحماس عن أيام إجازة شقيقها الذي يعمل في العسكرية و تنتظره بلهفة، و عندما يأتي لا تبقي مكاناً ترفيهياً إلا و تأخذه إليه، أعتقد أن السبب في هذه الاختلافات هو التربية، كما يُقال التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، هناك ثوابت نلقنها لأطفالنا و عندما يكبرون تصبح بمثابة المبادئ بالنسبة لهم، على سبيل المثال أشاهد كثيراً من الفيديوهات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، حول أطفال يقلدون تصرفات آبائهم من ناحية إلقاء القصائد بثقة و الترحيب بالضيوف و الصيد، و غيرها، يعتقد الآباء أنهم بهذه الطريقة يعودون أطفالهم على "الرجولة"، غني عن القول أنها - أي الفيديوهات - توضح أن فئة لا بأس بها لا تفرق بين الرجولة و الإدعاء والتفاخر، أعود إلى موضوعي، لو كان الهم الحقيقي الذي يؤرق هؤلاء الآباء و الأمهات هو غرس قيم إنسانية و تربوية مثل الرحمة و الإيثار و الاحترام بين أبنائهم لما سمعنا عن مشاكل كبيرة تحصل بين الإخوان، و لكن الآباء و الأمهات الذين يفتقرون لبعد النظر و الذين يجعلون أبنائهم أدوات للاستعراض بهم فقط، أو الذين يهتمون بإطعامهم و العناية بهم كأنهم حيوانات أليفة، لا يمكن لأفكارهم أن تدرك أهمية هذا الجانب التربوي الخطير، يقول الفيلسوف و الشاعر ابن مسكويه: "خير ما اكتسب المرء الإخوان، فإنهم معونة على حوادث الأيام، و نوائب الحدثان". علموا أبنائكم أن يحبوا بعضهم.





رابط المقال في الأرشيف